AIBookCraft

Chapter 2

الفصل الثاني

في هذا الفصل، يصطحب أبا حفص الرجل الغريب ليتعرفا على تفاصيل الحياة الجديدة بعد البيعة، ويمران بمواقف يومية تثير الضحك والتعجب حول تطبيق شروط العهد في أبسط تفاصيل الحياة. أبا حفص يحاول تبسيط الدين للرجل الغريب، ويقع الاثنان في مواقف تصعب فيها تطبيق الشروط، خاصة مع وجود سعد بن معاذ الذي يحوّل كل شيء لمزحة، وأبي لبابة الذي تسيطر عليه الذكريات. في نهاية الفصل، تظهر بوادر تحديات جديدة مع شكوك أبا حفص حول نفسه والرجل الغريب، وتنمو الرغبة في معرفة مصير البيعة في الآخرة دون أي إجابة حاسمة.

6 min read

خرجت من بيت الرجل الغريب في صباح اليوم التالي وأنا أضحك من نفسي؛ فقد قضينا الليل نتناوب على الطمأنينة تارة، والخوف تارة. الرجل الغريب، الذي أصر أن أُناديه “عبد الله”، كان كلما هدأ قلبه عاد فاهتز وقال: "أبا حفص، أحقاً بيعتنا هذه تمحو ما قبلها؟ حتى... حتى قتل الأولاد؟" أُجيب بلهجة شيخ يفتي في السوق: "قال رسول الله ﷺ: التوبة تمحو ما قبلها يا عبد الله. ما عليك إلا أن تصدق النية، ولا تعُد". فيبتسم ويهز رأسه، ثم يسكت لحظة ويقول: "وإن ضعفت؟". فأُطرق قليلا، ثم أضحك: "إذا ضعفت، تعال إليّ نضحك حتى تقوى".

بدأنا اليوم بجولة في سوق المدينة، فقد أراد عبد الله شراء ثوب جديد ليشعر أنه بدأ حياة جديدة. أول دكان وقفنا عنده كان لصاحبٍ من أهل اليمن، رجل كثير الكلام قليل البيع. وقف عبد الله متردداً أمام الثياب. همس لي: "أبا حفص، أأسرق هذا الثوب وأهرب؟ أضمن ألا أرجع للذنب؟" نظرت إليه في ذهول، ثم انفجرت ضاحكاً حتى كدت أقع. صاح التاجر: "مالي أراكما تضحكان على ثيابي؟" قلت: "لا عليك، هو يمزح!"

في لحظة، أقبل علينا سعد بن معاذ، يحمل فاكهة ويضحك كعادته. قال: "ما قصة الضحك يا قوم؟ أتبيعون وتضحكون أم تشترون الذنوب؟" قلت: "بل نشتري الثياب ونبيع الذنوب في سوق التوبة!" ضحك سعد وقال: "إذاً ضعوا كشكاً بجوار السوق، يكتب عليه: من أراد أن يبيع ذنوبه فليأت!"

اشتريت لعبد الله ثوباً أبيض بسيطاً. لبسه في لحظتها، ثم قال: "أشعر أنني وُلدت من جديد يا أبا حفص." قلت: "احذر! وُلدت بلا ذنوب، لكن الدنيا لا ترحم المولودين الجدد!"

مررنا في السوق على رجل يبيع التمر. توقف عبد الله يسأل: "يا أبا حفص، أُريد أن أتذوق تمرة. هل أستطيع قبل أن أدفع؟" ذكرت نفسي البيعة: لا تسرقوا. قلت: "لا تسرق يا عبد الله، فقط استأذن." ضحك التماري وقال: "ذق يا رجل، أنت في بيتك!"

وكان هناك رجل آخر يصرخ: "فلان سرق جملي!" تذكرت البيعة: لا تبهتوا. قلت بصوت عال: "هل عندك بينة؟" فسكت الرجل. قال سعد: "يا أبا حفص، ستصبح قاضي السوق قريباً!"

في طريقنا إلى المسجد، وجدنا أبا لبابة جالساً تحت ظل نخلة رأسه بين كفيه. اقتربت منه، رفع رأسه وعيناه مغرورقتان: "يا أبا حفص، كلما سمعت ضحكة فتاة، رأيت بنتي تخرج من التراب بين يديّ!" قلت بحزن: "يا أبا لبابة، أأنت تظن أن الله لا يغفر؟" قال: "أرجو، ولكني أخاف!" جلس بجانبنا عبد الله وقال بهدوء: "يا أبا لبابة! أنا قتلت أولادي... وأنا الآن أبكي عليهم كل ليلة. أتدري؟ أرى أعينهم في منامي، يضحكون ويركضون، كأنهم يدعونني للحياة لا للموت."

سكت الجميع لحظة. جاء سعد فجلس بيننا وقال: "يا قوم، كلنا نملك ماضياً نخجل منه. أنا، مثلاً، كنت أخاف من الظلام حتى سن الخامسة عشرة!" انفجرنا ضاحكين، حتى بكى أبو لبابة من الضحك هذه المرة لا من الحزن.

جلسنا في المسجد، وجاء النبي ﷺ يخطب في الناس. قال: "يا أيها الناس، البيعة عهد بينكم وبين الله، فمن وفى بها فليحمد الله، ومن أخطأ ثم تاب فليحمد الله مرتين: مرة على التوبة ومرة على الستر."

بعد الصلاة، اقتربت من النبي ﷺ وقلت: "يا رسول الله، هذا عبد الله جاء من أرض بعيدة، وهو يخشى أن يعود للذنب." ابتسم النبي ﷺ، ووضع يده على كتف عبد الله: "الدين يسر يا عبد الله. لو أخطأت فتب، ولو ضعفت فاستعن بالله."

خرجنا من المسجد عائدين إلى بيت عبد الله. في الطريق، مررنا بصبيين يتشاجران على تمرتين. صرخ أحدهما: "سرقتني!" قلت: "يا بني، هل أخذت التمرة بغير إذن؟" قال: "أخذتها لأني كنت جائعاً!" قلت: "الجوع ليس عذراً للسرقة، لكنه باب للتسامح. إذا سامحك صاحب التمرة فهي هدية، وإذا لم يسامحك فأعدها." قال الصبي الثاني: "سامحته يا أبا حفص!"

ضحك عبد الله: "كلما رأيت موقفاً تذكرت شرطاً من البيعة!" قلت: "هكذا الدنيا يا عبد الله، كل يوم امتحان."

في بيت عبد الله جلسنا نأكل خبزاً وتمراً وشعيراً. قال لي: "أبا حفص، لو أني متّ الليلة، هل أُبعث مع أهل البيعة؟" قلت: "لا أحد يدري، السر عند الله. نحن نعمل ونأمل."

في المساء جاء سعد يزورنا. جلس يحكي النكتة تلو النكتة، حتى صرنا نضحك بلا توقف. ثم قال فجأة: "أرأيتم، لو كنا في الجاهلية، لكان عبد الله يدفننا جميعاً! أما الآن فقد أحيانا الله." نظر إليه عبد الله وقال: "الحمد لله على النور بعد الظلمة."

حكت لنا زوجة عبد الله – وهي امرأة رزينة جاءت من أرض بعيدة معه – أنها في ليلة البيعة رأت في المنام أن النبي ﷺ يزرع نخلة في قلب بيتهم، وتكبر النخلة حتى تظلل كل أهل البيت. قالت: "فهل البيعة هي النخلة؟" قلت: "بل هي الظل يا أم عبد الله، والثمار تأتي مع الأيام."

في المساء، جاءنا أبي لبابة يطلب أن ينام عند عبد الله ليلة. قلت: "خيراً يا أبا لبابة؟" قال: "أخاف أن أُترك وحدي الليلة مع ذكرياتي." بات معنا، وتسامرنا حول قصص كُلٌ منا مع الماضي، حتى صرنا نضحك على ذنوبنا أكثر مما نبكي عليها.

في منتصف الليل، استيقظنا على صوت طرق خفيف على الباب. كان رجلاً من البادية يحمل ابنه الصغير، يقول: "يا قوم، أخطأ ابني وأخذ شيئاً من تمركم، جئت أطلب العفو له." قلت: "يا هذا، من أخطأ فليَتُب وليعتذر، والله يغفر لنا جميعاً." تعانق الأب وابنه وبكى الصغير وقال: "لن أكررها يا عمي!"

في الصباح، جلسنا نشرب الماء على سطح البيت. قال عبد الله: "أبا حفص، البيعة ثقيلة أحياناً. أشعر أن كل حركة محسوبة!" قلت: "لا تشدد على نفسك، وإنما الأعمال بالنيات. إذا نويت الخير، كُتِبَ لك الخير ولو أخطأت الطريق."

قال سعد: "لو كانت البيعة سهلة لما كان فيها كل هذا الأجر! نحن نضحك الآن، لكن الطريق طويل، وقد تقع وتنهض وتنكسر وتضمد جراحك وتعود للبيعة من جديد!"

أضاف أبي لبابة: "أخشى أن أنسى شرطاً من الشروط. يا أبا حفص، كيف تحفظها كلها؟" قلت: "أحفظها كلما رأيت أحدكم يضحك، أو يبكي، أو يروي قصة من الجاهلية. الشروط في القلب، ليست في الورق!"

دخل علينا رجل ملثم الوجه، لم أعرفه. قال: "السلام عليكم. سمعت أنكم أهل بيعة، جئت أتعلم." نظرنا إليه في دهشة. قال عبد الله: "لا تقلق، كل من جاء بقلبه يتعلم. نحن جميعاً طلاب، حتى أبا حفص لا يعرف كل شيء!" ضحك سعد: "بل أبا حفص لا يعرف شيئاً أصلاً!"

جلس الرجل معنا، وبدأنا نروي له قصصاً حول كيف أن البيعة ليست ثقيلة كما يظن البعض، بل هي طريق للعفو والرجاء.

مع شروق شمس اليوم التالي، كنا قد أصبحنا شلّة من "المبايعين الضاحكين"، كلٌ يحمل ماضياً وجُرحاً، لكنهم جميعاً تحت ظل نخلة واحدة زرعها إيمان جديد.

لكن في قلبي بقي سؤال: إلى أين نمضي بهذه البيعة بعد أن ضحكنا منها وعليها وجددناها مرات؟ هل ستبقى معنا حتى الممات؟ أم سنفترق يوماً في طرق لا يعرفها إلا الله؟ وما مصير من ضعفت يده أو خانته نفسه؟

كان كلما ضاق صدري من ثقلها، أسمع صوت النبي ﷺ في داخلي: "من وفى فأجره على الله". وأكتفي بتلك الجملة، وأضحك: "يا له من أجر!"

✦ ✦ ✦
Play from here

Privacy choices

Optional analytics help us improve AIBookCraft. They stay off until you allow them. We still count anonymous page views, without cookies or an ID. Writing, sign-in, and checkout work either way.

Change this choice any time. Read our Privacy Policy.