Chapter 3
لمسة القدر
مدفوعين بالفضول، يلمس الأصدقاء المرآة، فجأة يشعرون بدوار شديد وتتغير رؤيتهم، ليجدوا أنفسهم في مكان وزمان مختلفين تمامًا.
لمسة القدر
كانت الغرفة السرية في البيت المهجور تكتنز بين جدرانها الصامتة أسرارًا تفوق خيال الأطفال الخمسة. الهواء فيها كان كثيفًا، مشبعًا برائحة الغبار والزمن المنسي. أحمد، بقفزات قلبه المتسارعة، كان يقف في المقدمة، عيناه تلمعان ببريق الاستكشاف، بينما سالم، بنظراته المتفحصة، كان يحاول استيعاب كل تفصيل، مؤمن كان يرسم في مخيلته أشكالًا غريبة تتمايل في الظل، وأنس كان يتنقل بخفة بين الأشياء، يتفحص كل قطعة بفضول صاخب، أما سعيد، فكان صامتًا كعادته، يراقب بصمت، ودفتر ملاحظاته الصغير في يده.
وسط كل هذه الغرائب، برزت المرآة. لم تكن مجرد مرآة عادية؛ كانت قديمة، بإطارها المزخرف بالنقوش التي تشبه الأمواج المتلاطمة، وسطحها يعكس ضوءًا خافتًا، بل وكأنها تنبض بحياة خفية. كان أحمد أول من اقترب منها، يده ترتعش قليلاً وهو يمدها نحو السطح البارد. "هل ترونها؟" همس، وصوته بالكاد يخرج. "إنها... إنها تضيء!"
تجمعت حوله بقية المجموعة، أنفاسهم محبوسة. حتى سالم، الذي كان دائمًا يميل إلى التفسيرات المنطقية، شعر بشيء غير عادي. "غريب حقًا..." تمتم، وهو يتفحص النقوش على الإطار. "لم أر مثل هذه الزخارف من قبل."
مؤمن، الذي كان يميل لرؤية الجمال في كل شيء، قال بحماس: "إنها تبدو وكأنها تحمل قصة! قصة قديمة جدًا."
أنس، الذي لم يستطع كبح جماح فضوله، مد يده ليلامس سطح المرآة. "دعوني أرى!"
في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان. فور أن لامست أصابع أنس سطح المرآة، انبعث منها وميض قوي، أبيض وصارخ، أضاء الغرفة بأكملها لثوانٍ معدودة. شعر الأطفال بدوار مفاجئ، وكأن الأرض قد ابتلعتهم. الألوان اختلطت، الأصوات تلاشت، ثم عادت بقوة، لكنها كانت مختلفة، غريبة، لم يعهدوها من قبل.
عندما استقرت الرؤية، وجدوا أنفسهم في مكان آخر تمامًا. لم يعد البيت المهجور حاضرًا، ولا الغرفة السرية. كانوا يقفون في ساحة واسعة، تحيط بها مبانٍ غريبة الشكل، ألوانها زاهية، وأصوات لم يسمعوها من قبل تتردد في الأرجاء. الهواء كان مختلفًا، يحمل عبق أزهار غريبة ورائحة بخور لم يعرفوها.
"أين نحن؟" سأل سالم، صوته يحمل نبرة من القلق لم تكن معه قبل لحظات. كان ينظر حوله بعينين واسعتين، يحاول استيعاب المشهد الجديد.
أحمد، رغم صدمته، حاول استعادة رباطة جأشه. "لا أعرف، لكن علينا أن نبقى معًا." نظر إلى المرآة، التي اختفت الآن، وشعر بخيبة أمل خفيفة. "ماذا حدث؟"
مؤمن، الذي كان دائمًا يرى الجانب المشرق، نظر إلى المباني الملونة والأشخاص الذين يمرون مرتدين ملابس غريبة، وقال بابتسامة مشوبة بالدهشة: "يبدو أننا في مكان سحري!"
أنس، الذي كان دائمًا سريع التأثر بالمحيط، كان يراقب الناس بعينين لامعتين. "انظروا إلى ملابسهم! إنها مثل تلك التي نراها في الكتب القديمة!"
سعيد، كعادته، كان يراقب بصمت، لكن عينيه كانتا تتحركان بسرعة، تسجلان كل تفصيل. كان يلاحظ أن الناس يتحدثون بلغة غير مفهومة، وأن هناك كائنات صغيرة تشبه الفراشات لكنها تضيء، تحلق حول رؤوسهم.
"أعتقد أننا انتقلنا عبر الزمن،" قال سالم أخيرًا، بعد أن استجمع بعض أفكاره. "تلك المرآة... ربما كانت بوابة."
أحمد نظر إليه، ثم إلى أصدقائه. "عبر الزمن؟ هل أنت جاد؟"
"الأدلة تشير إلى ذلك،" أجاب سالم. "انظروا حولكم. كل شيء مختلف. الملابس، المباني، الأصوات. هذه ليست قريتنا، وليست حتى عصرنا."
بدأ القلق يتسرب إلى قلوبهم. كانوا بعيدين عن ديارهم، في زمن لا يعرفونه، ولا يعرفون كيف يعودون. أحمد شعر بوخزة خوف خفيفة، لكنه دفعها جانبًا. كان عليه أن يكون قائدًا.
"حسنًا،" قال بصوت ثابت. "إذا كنا قد عبرنا الزمن، فعلينا أن نجد طريقة للعودة. سالم، لديك معرفة بالتاريخ. هل هناك أي شيء تعرفه عن مثل هذه الأمور؟"
سالم هز رأسه. "في القصص القديمة، كانت هناك بوابات زمنية، لكنها دائمًا ما كانت تتطلب مفتاحًا أو تعويذة معينة. لم أسمع قط عن مرآة تفعل ذلك بمجرد لمسها."
في هذه الأثناء، كان مؤمن قد بدأ يرسم في دفتره، محاولًا التقاط ملامح هذا العالم الجديد. لاحظ أن بعض الأشخاص ينظرون إليهم بفضول، بل وببعض الدهشة. "يا رفاق، أعتقد أننا نلفت الانتباه."
"لا بأس،" قال أنس، محاولًا إضفاء بعض المرح. "ربما هم معجبون بملابسنا العصرية!"
لكن الجدية كانت تعود تدريجيًا. كانوا خمسة أطفال، تائهين في عالم غريب. أحمد شعر بمسؤولية ثقيلة. كان عليه أن يفكر. "ماذا لو كانت هناك طريقة أخرى؟ ماذا لو كان هناك دليل هنا؟"
بدأوا يتحركون بحذر، يتجولون في الساحة الواسعة، يراقبون كل شيء. سعيد أشار بيده نحو نافذة أحد المباني. "انظروا إلى الداخل. هناك شيء يشبه... لوحة؟"
اقتربوا، واكتشفوا أن ما بدا وكأنه لوحة هو في الواقع خريطة مرسومة على جدار داخلي. لم تكن خريطة للمدينة التي هم فيها، بل كانت خريطة معقدة، مليئة بالرموز والخطوط المتشابكة. سالم حدق فيها بانتباه. "هذه ليست خريطة عادية. تبدو وكأنها تمثل مسارات... مسارات عبر شيء ما."
أحمد، الذي كان يحب الألغاز، شعر بأن شيئًا ما قد بدأ يتضح. "مسارات؟ مسارات عبر الزمن؟"
مؤمن، الذي كان يراقب الخريطة بعين فنان، أشار إلى رمز معين. "هذا الرمز... يشبه إلى حد كبير النقوش على إطار المرآة التي رأيناها!"
تجمعت حول الرمز، وقلوبهم تخفق بأمل جديد. قد يكون هذا هو الدليل الذي يبحثون عنه. قد يكون هذا هو المفتاح لفهم ما حدث، وللعثور على طريق العودة. لكن قبل أن يتمكنوا من دراسة الرمز بشكل أعمق، سمعوا صوتًا قادمًا من خلفهم.
"من أنتم أيها الغرباء؟"
التفتوا ليجدوا أمامهم رجلًا عجوزًا، يرتدي ملابس أنيقة، ويبدو عليه الوقار. كان ينظر إليهم بعينين حكيمتين، فيهما مزيج من الفضول والدهشة.
شعر الأطفال بأنهم في منعطف جديد. هل سيكون هذا الرجل صديقًا أم عدوًا؟ هل سيساعدهم على العودة إلى زمنهم، أم سيزيد من تعقيد مغامرتهم؟ لمسة القدر التي نقلتهم إلى هنا قد تكون مجرد البداية.