Chapter 2

وحي السماء في غار حراء

في سن الأربعين، يتلقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولى آيات الوحي في غار حراء، ليبدأ رحلة الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده، مواجهًا تحديات قريش ومعارضتها الشديدة.

5 min read

في قلب مكة، حيث تتشابك دروب التجارة وتتغنى الأسواق بضجيج الحياة، كان هناك شابٌّ لم تلوثه شوائب الجاهلية، ولم يساوم على مبادئه قط. محمد بن عبد الله، الذي عُرف بين قومه بـ "الأمين"، عاش سنواته الأولى تحت رعاية جده عبد المطلب، ثم في كنف عمه أبي طالب، الذي أحاطه بعناية وحماية لم تفتر قط. نشأ في بيئةٍ تقدّر الأصالة والشرف، وتعلّم منذ نعومة أظفاره معنى الصدق والأمانة، حتى غدا اسمه مرادفًا لهما. لم يكن شأنه كشأن الآخرين، فكان في قلبه بذرةٌ نورانية، استعدادٌ لمهمةٍ عظيمةٍ تفوق التصور.

مرت الأيام، واكتمل عقد الأربعين عامًا في حياة محمد. أصبحت روحه أكثر شغفًا بالخلوة والتأمل، يبحث عن إجاباتٍ لأسئلةٍ تراوده حول الكون والخالق، بعيدًا عن أصنام قريش التي كانت تُعبد من دون الله. كان غار حراء، بشموخه وهدوئه، ملاذه الأثير. في إحدى الليالي المباركة، وبينما كان يتعبّد ويتفكّر في عظمة الخالق، انشق سكون الغار بصوتٍ رهيب، وارتفع جبريل الأمين، حاملًا معه رسالةً سماويةً لم تعرفها البشرية من قبل.

"اقرأ"، قال جبريل بصوتٍ هزّ أركان الروح. ارتعش محمد، وشعر بثقل الكلمات تتجسد أمامه. "وماذا أقرأ؟" سأل بصوتٍ خافت، وقلبه يخفق بعنف. "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم".

كانت هذه الآيات الأولى، بواباتٌ لعهدٍ جديد، إيذانٌ ببدء رسالةٍ ستغير مجرى التاريخ. عاد محمد إلى بيته، وقلبه يعتصره مزيجٌ من الخوف والرهبة، وبشرىً عظيمةٍ تملأ كيانه. لفّته زوجته الوفية، خديجة بنت خويلد، بعباءتها، وشعر بدفءٍ يغمره، وبإيمانٍ راسخٍ يشدّ أزره. قصّ عليها ما حدث، فكانت أول من صدّق، وأول من آمن، وأول من أضاءت له شعلة النور. "والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". كلماتها كانت بلسمًا لروحه المضطربة، وتأكيدًا على صدق رسالته.

بدأت الدعوة سرًا، في دائرةٍ ضيقةٍ من المقربين. كان محمد يدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، وترك الأصنام التي لا تضر ولا تنفع. كانت كلماته كقطرات الندى في صحراء قاحلة، تروي ظمأ الأرواح المتعطشة للحق. كان علي بن أبي طالب، ابن عمه الصغير، من أوائل من آمنوا، وشهد بعينيه نور النبوة يسطع من وجه محمد. كان وفياً، مخلصاً، وقلبه يتسع لحب الله ورسوله. ثم جاء زيد بن حارثة، الذي رباه محمد، والذي لم يتردد في اتباع هذا الدين الجديد.

لكن سرعان ما بدأت أصداء هذه الدعوة تصل إلى مسامع قريش. كانت قريش، سادة مكة، ترى في هذه الدعوة تهديدًا مباشرًا لمكانتها وسلطتها، وللمصالح الاقتصادية التي كانت تقوم على عبادة الأصنام. فبدأت المعارضة، تتلوى كالأفاعي، وتنقض كالصقور.

في أحد الأيام، بينما كان محمد يتلو القرآن في حجر الكعبة، اجتمع حوله نفرٌ من أشراف قريش، وعلى رأسهم أبو جهل. "ما هذا الذي تأتي به يا محمد؟" سأل أحدهم بتهديد. "جئتكم بأمرٍ فيه صلاحكم، بدينٍ يأمركم بعبادة الله الواحد، ويضع عنكم عبء الأصنام". ضحك أبو جهل بسخرية. "هل تظن أننا سنترك آباءنا وأجدادنا ونتبع دينًا جديدًا؟ إنك والله ساحر، تفتن الناس بكلماتك". "ليس سحرًا، بل وحيٌ من السماء، ورسالةٌ من رب العالمين".

بدأت المضايقات تشتد. كان المسلمون الأوائل، الذين لم يكن لهم عشيرة تحميهم، يتعرضون للأذى والتعذيب. كان بلال بن رباح، الحبشي، يُلقى على ظهره في الرمضاء، ويُوضع فوق صدره حجرٌ ثقيل، بينما يُجبر على ترديد "أحدٌ أحد". كان صوته يرتعش، لكن إيمانه كان أقوى من أي عذاب. كان النبي محمد يشهد هذا الظلم، وقلبه يعتصر ألمًا، لكنه كان يعلم أن الصبر هو مفتاح النصر.

"يا رسول الله، متى يأتي نصر الله؟" سأل أحد الصحابة، وقد أنهكه العذاب. "يا قوم، إن من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُشقّ اثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، وليُتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قومٌ تستعجلون".

في هذه الأثناء، كان النبي محمد يستغل كل فرصة للدعوة. كان يخرج إلى الناس في مواسم الحج، ويتحدث إليهم في الأسواق، ويلتقي بالقبائل التي كانت تفد إلى مكة. كان يبحث عن سندٍ، عن مكانٍ يأوي إليه ودينه، ليقيموا فيه دولة الحق.

وفي إحدى هذه اللقاءات، التقى بمجموعةٍ من شباب يثرب، من قبيلتي الأوس والخزرج. قصّ عليهم محمدٌ رسالته، وتلا عليهم من القرآن. وجد فيهم قلوبًا نقية، وعقولًا متفتحة. رأوا في كلامه صدقًا، وفي دعوته نورًا. قال أحدهم: "هذا والله خيرٌ مما نزلنا عليه".

كانت هذه اللقاءات بمثابة بذورٍ زرعت في أرضٍ خصبة. كانت بداية التحول، وبداية الطريق نحو هجرةٍ ستغير وجه التاريخ. لكن قبل الهجرة، وقبل أن يجد المسلمون ملاذهم الآمن، كان عليهم أن يتحملوا المزيد من الأذى، وأن يثبتوا إيمانهم في أشد الظروف.

كانت قريش لا تهدأ. قررت أن تضع حدًا لهذه الدعوة، ففرضت حصارًا اقتصاديًا واجتماعيًا على بني هاشم، الذين كانوا يحمون النبي محمد. عاش بنو هاشم في شعب أبي طالب، يعانون الجوع والعطش، حتى كادوا أن يأكلوا ورق الشجر. لكنهم صبروا، وصبر النبي معهم، متشبثًا بالأمل في رحمة الله.

كانت هذه الفترة، فترة الابتلاء العظيم، اختبارًا حقيقيًا للإيمان. لقد أظهرت ضعف قريش أمام قوة الإرادة، وقوة الإيمان أمام جبروت السلطة. لقد أثبتت أن الحق، مهما بدا ضعيفًا، يمتلك قوةً كامنةً قادرةً على التغلب على كل الصعاب.

وفي خضم هذه التحديات، كان النبي محمد، وفي قلبه يقينٌ راسخ، وروحٌ لا تعرف اليأس، يستعد لمرحلةٍ جديدة. مرحلةٌ تتطلب منه قوةً أكبر، وصبرًا أعظم، واستعدادًا لمواجهة عالمٍ لم يعد يحتمل وجوده. لقد حمل على عاتقه رسالةً نورانية، وكانت رحلة النور قد بدأت للتو، تحمل في طياتها تباشير فجرٍ جديد.

✦ ✦ ✦