Chapter 3
بداية الدعوة السرية
تتناول هذه الفصل بداية الدعوة الإسلامية في السر، حيث آمن قلة من الناس بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتكبدوا مع قريش أشكالًا مختلفة من الاضطهاد.
في تلك الليالي المباركة، حين كان غار حراء يحتضن نور النبوة المتوهج، وحين كان قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يفيض بالرسالة العظيمة، بدأ فصل جديد في تاريخ البشرية. لم يكن وحي السماء مجرد كلمات تُتلى، بل كان بذرة زرعت في أرض صالحة، بدأت تنمو بصمت، في سرية، بعيدًا عن أعين قريش المتشككة والمتعصبة.
كانت الأيام الأولى للدعوة أشبه بخطوات المتسلل في ظلام دامس، يخشى أن يوقظ النائمين، أو أن يلفت انتباه الحراس. النبي محمد، الأمين الذي لم يعرف الكذب يومًا، والذي حمل على عاتقه أمانة السماء، بدأ ببث رسالة التوحيد فيمن حوله من أقرب الناس إليه، وأكثرهم ثقة به. كانت دعوته الأولى همسًا في أذن خديجة بنت خويلد، زوجته الوفية، التي احتضنت دعوته بقلب مؤمن، وبلسمت جراحه بكلمات المواساة والحب. كانت أول من آمن به، وأول من صدّق نبوته، فكان لها منزلة عظيمة في قلبه، ومكانة لا تضاهى.
ثم امتدت الدعوة إلى علي بن أبي طالب، ابن عمه الصغير، الذي كان يعيش في كنفه. كان علي، بذكائه الفطري ونقائه الروحي، أسرع من استوعب عظمة الرسالة، وأقرب من تفاعل معها بصدق. رأى في محمد القدوة والمثل الأعلى، ورأى في دعوته خلاصًا للبشرية من عبادة الأصنام والضلال. كان إيمانه عميقًا، وولاؤه مطلقًا، فكان من أوائل المبادرين إلى الإسلام، ومن أشد المدافعين عنه.
ولم يقتصر الأمر على علي، بل امتد ليشمل زيد بن حارثة، الذي رباه النبي، وكان كأحد أبنائه. كان زيد رجلًا وفيًا، طبعته الحياة بقسوتها، لكنه وجد في الإسلام السكينة والراحة. آمن برسالته، واستجاب لدعوته، وكان من الجماعة الأولى التي احتضنت الدين الجديد.
كانت هذه المجموعة الصغيرة، قلّة قليلة من الأرواح الطاهرة، تجتمع سرًا، في أوقات متفرقة، بعيدًا عن أعين المتطفلين. كانوا يجتمعون في بيت الأرقم بن أبي الأرقم، أو في شعاب مكة الخفية، يتلقون تعاليم النبي، ويتعلمون مبادئ الإسلام. كانوا يتبادلون الحديث عن آيات القرآن التي نزلت، وعن معانيها السامية، وعن أهداف الرسالة العظيمة. كانت اجتماعاتهم أشبه بالواحات في صحراء قاحلة، يرتوي فيها المؤمنون بماء الإيمان، ويتزودون بالقوة لمواجهة ما سيأتي.
كان النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، يلقي عليهم تعاليمه بحكمة وصبر، ويشرح لهم أحكام الدين بوضوح ولطف. كان يغرس فيهم قيم الصدق والأمانة، والرحمة والمغفرة، والعدل والإحسان. كان يزرع فيهم حب الله ورسوله، وحب الخير للناس أجمعين. كان يراقبهم بحنان، ويشجعهم بكلمات طيبة، ويبث فيهم الأمل والثبات.
لكن قريش، وهي سيدة مكة، وحامية الأصنام، لم تكن لتسمح بانتشار هذه الدعوة الجديدة دون مقاومة. كانت ترى في الإسلام تهديدًا مباشرًا لمكانتها الدينية والاقتصادية. كانت تجارتها تعتمد على حج الناس إلى الكعبة، التي كانت مليئة بالأصنام. كان انتشار التوحيد يعني تدمير هذه التجارة، وتقويض سلطتها. لذا، بدأت معارضة الدعوة تأخذ أشكالًا مختلفة، تتراوح بين الاستهزاء والسخرية، إلى التهديد والوعي، ثم إلى الاضطهاد المباشر.
كانوا يصفون النبي بالسحر، وبالجنون، وبالكذب. كانوا يتهمونه بأنه يريد أن يفرق جمعهم، وأن يفسد دين آبائهم وأجدادهم. كانوا يحاولون تشويه صورته، وتنفير الناس منه. لكن النبي، بثباته وصبره، لم يكترث لهذه الاتهامات الباطلة. كان يدرك أن رسالته أسمى من أن تتأثر بكلام السفهاء.
كان الصحابة الأوائل، الذين آمنوا به، هم أول من ذاقوا مرارة الاضطهاد. كانوا قلة، وضعفاء في أغلبهم، لا يملكون القوة للدفاع عن أنفسهم. كانوا يتعرضون للسخرية العلنية، وللتهديد بالضرب، وللمقاطعة الاجتماعية. كانوا يجدون صعوبة في ممارسة حياتهم اليومية، وفي كسب رزقهم.
أتذكر قصة بلال بن رباح، الحبشي الذي كان عبدًا لأمية بن خلف. كان بلال رجلًا قوي البنية، لكنه كان ضعيفًا في نظر سادته. حين آمن بالإسلام، لم يخفِ إيمانه. كان ينادي بالتوحيد بصوت عالٍ، ويجهر بكلمة "أحد أحد". وعندما علم سيده بإسلامه، اشتد غضبه. كان يعذبه في حر الظهيرة، يلقيه على الرمضاء، ويضع صخرة عظيمة على صدره، ليجبره على التخلي عن دينه. لكن بلالًا، بصبر وثبات، كان يردد: "أحد أحد". كان إيمانه أقوى من عذابات الدنيا.
كانت هذه المعاملة القاسية، وهذا الاضطهاد الشديد، لا يقتصر على بلال وحده. فقد تعرض الكثيرون لظروف مشابهة. كانت عائلة ياسر، ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار، من أوائل الشهداء في سبيل الإسلام. كانت سمية، رضي الله عنها، أول شهيدة في الإسلام، حين طعنها أبو جهل بحربته. كانت صابرة، مؤمنة، لم تتخل عن دينها حتى فارقت الحياة.
كان النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، يرى كل هذا الاضطهاد، ويسمع صرخات المستضعفين، وقلبه يعتصر ألمًا. كان يحاول قدر الإمكان التخفيف عنهم، وتشجيعهم على الصبر والثبات. كان يقول لهم: "يا آل ياسر، صبرًا، فإن موعدكم الجنة". كان يعدهم بالثواب العظيم في الآخرة، وبالنصر المبين في الدنيا.
في أحد الأيام، اجتمع نفر من المسلمين، وقد بلغ بهم العذاب منتهاه، وقالوا للنبي: "يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟" فالتفت إليهم، وقد تغير وجهه، وقال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق ظهره، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون".
كانت هذه الكلمات بمثابة بلسم على جراحهم، ودليل على أن النصر قادم لا محالة. كانت تحمل في طياتها وعدًا إلهيًا، وبشرى بالتمكين. كان النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، يدرك أن هذه المرحلة من الدعوة، مرحلة السرية والاضطهاد، هي مرحلة ضرورية لبناء قاعدة صلبة للإسلام، ولتكوين جيل من المؤمنين الصادقين، الذين لا يهابون الموت، ولا يخشون في الله لومة لائم.
كانت هذه الفترة، رغم قسوتها، فترة بناء وتكوين. كان المسلمون يتعلمون كيف يتحملون المسؤولية، وكيف يتغلبون على الخوف، وكيف يثقون بالله وبقدرته. كانوا يتعلمون معنى التضحية والفداء، ومعنى الولاء والبراءة. كانوا يتحولون من أفراد متفرقين، إلى جماعة واحدة، متماسكة، تربطها عقيدة واحدة، وهدف واحد.
كان النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، يرى في كل واحد منهم بذرة خير، وبذرة صلاح. كان يرى في كل واحد منهم قائدًا مستقبليًا، ومدافعًا عن الدين. كان يرى فيهم الأمل في مستقبل مشرق، ومستقبل ينعم فيه الناس بالعدل والرحمة.
وفي خضم هذا الاضطهاد، كانت هناك لحظات من الفرح والأمل. كانت لحظات نزول الوحي، التي تمنح النبي القوة والسكينة. كانت لحظات استجابة الدعاء، التي تبعث في القلوب الطمأنينة. كانت لحظات لقاء المؤمنين، التي يشعرون فيها بالدفء والأخوة.
كانت الدعوة السرية، في بداياتها، أشبه بماء نبع صافٍ، يتدفق في خفاء، يروي عطش العقول والقلوب، وينقي النفوس من الشوائب. كانت مرحلة التمحيص والاختيار، مرحلة التمييز بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر. كانت مرحلة التأسيس، التي ستتحول فيما بعد إلى بناء صرح عظيم، يشع نورًا على مشارق الأرض ومغاربها.
ومع كل يوم يمر، كان عدد المؤمنين يزداد، وإن كان ببطء. كان الإيمان ينتشر كالنار في الهشيم، يخترق الحواجز، ويذيب الجليد. كان الناس يرون في محمد الصدق والأمانة، ويرون في كلامه الحكمة والبيان. كانوا يرون في تعاليمه ما يفتقدونه في حياتهم، من عدل ورحمة، من أخلاق سامية، ومن قيم رفيعة.
لكن قريش، رغم كل ذلك، لم تفقد الأمل في إخماد هذه الدعوة. كانت تنتظر الفرصة المناسبة، لتكثيف حملتها، ولإلقاء القبض على النبي وأتباعه. كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، والترقب. كانت مكة على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة المواجهة، ومرحلة التغيير.
كانت هذه البداية، بداية الدعوة السرية، بذرة صغيرة، زرعت في أرض قاحلة، لكنها كانت تحمل في طياتها قوة هائلة، وقدرة على النمو والتوسع. كانت بداية المعركة الكبرى، معركة الحق والباطل، معركة النور والظلام. وكانت هذه البداية، بداية النهاية لقوة قريش، وبداية ظهور دين سماوي، سيغير وجه التاريخ، وسينير دروب البشرية إلى الأبد.