Chapter 1

ميلاد النور في مكة

تبدأ القصة بميلاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة، نشأته اليتيمة في كنف جده ثم عمه، ولقبه بالأمين الذي اشتهر به قبل البعثة، ممهدة الطريق لرسالته العظيمة.

5 min read

في قلب صحراء الجزيرة العربية، حيث تتربع مكة المكرمة على عرش التاريخ، وتتوشح بالكعبة المشرفة مهوى الأفئدة، بزغ فجر جديد، فجر يحمل معه نورًا سيبدد ظلمات الجهل والشرك. عام 570 ميلادي، هو العام الذي اختاره الله ليبعث فيه رحمته للعالمين، وليشرق فيه نجمٌ لا يأفل، نجم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

لم يكن ميلاد هذا الطفل عاديًا، بل كان حدثًا جللًا، تزامن مع زلزال اهتزت له أعمدة إيوان كسرى، وانطفأت معه نار المجوس التي كانت تعبد لآلاف السنين. وكأن الكون كله قد استقبل بزوغ هذا النور العظيم بتهليل وتكبير.

لكن القدر كان قد نسج له قصة فريدة، قصة بدأت بفقد. فقبل أن تفتح عيناه على الدنيا، كان والده عبد الله قد رحل عن الحياة، تاركًا خلفه ذكرى طيبة وحملًا ثقيلًا. ثم لحق به جده عبد المطلب، الرجل الوقور الذي كان يكنى بـ "سيد البطحاء"، والذي أحاط حفيده الصغير بحنانٍ بالغ، ولم يشأ أن يفارقه أبدًا. ومع ذلك، لم تدم هذه السعادة طويلًا، فالموت لا يرحم، وسرعان ما فقد محمدٌ جده الحبيب، ليجد نفسه يتيمًا مرة أخرى، وحيدًا في عالمٍ لا يرحم الضعيف.

لكن يد القدر لم تترك محمدًا وحيدًا تمامًا. فقد تولى عمه أبو طالب، الرجل الشهم ذو القلب الكبير، رعايته وحمايته. كان أبو طالب سند محمد، ودرعه الواقي من قسوة الحياة وفتك الأقدار. كان يرى في ابن أخيه شيئًا مميزًا، شيئًا يتجاوز مجرد القرابة، كان يرى فيه بذرة خيرٍ عظيمة.

في هذه البيئة القاسية، وبين أفراد قبيلة قريش التي كانت تعيش في صراع دائم على المكانة والجاه، نشأ محمد. لم يكن كغيره من أطفال قومه، لم يكن يلهو بطفولته كما يفعل الآخرون، بل كان يتمتع بصفاءٍ روحيٍ فريد، وهدوءٍ يلفت الأنظار. حتى قبل أن يبلغ سن الشباب، كان معروفًا بين أهل مكة بصدقه وأمانته. كانوا يلقبونه بـ "الأمين"، هذا اللقب الذي لم يكتسبه بالوراثة أو بالمال، بل بصفاء معدنه وطهارة روحه. كانوا يأتمنونه على أثمن ممتلكاتهم، ويأتمنونه على أسرارهم، واثقين من أنه لن يخون أبدًا.

كانت مكة في ذلك الوقت تعج بالأصنام، وكانت الكعبة مليئة بها، يطوف حولها الناس ويسجدون لها. كانت التجارة هي عصب الحياة، والمال هو سيد الموقف. لكن محمدًا، في صمته العميق، كان يبحث عن شيء آخر، عن حقيقة أعمق، عن معنى أسمى للحياة. كان يرى في هذا الزحام، في هذا الصخب، فراغًا روحيًا كبيرًا.

كانت ليالي الاعتكاف في غار حراء، ذلك الغار المنعزل في جبل النور، هي ملاذه. هناك، بعيدًا عن ضجيج الدنيا، كان يتأمل ويتفكر. كان يتأمل في خلق السماوات والأرض، في عظمة الكون، في سر الوجود. كان يبحث عن الإجابة لسؤالٍ يلح عليه: من هو الخالق؟ وما هو الغرض من هذه الحياة؟

وفي ليلة من ليالي رمضان المباركة، بينما كان في غار حراء، أشرق المكان بنورٍ عجيب. جبريل، ملك الوحي، نزل عليه ببشارةٍ عظيمة. "اقرأ"، قال له بصوتٍ ملائكي. ارتبك محمد، وقال: "ما أنا بقارئ". قال جبريل مرة أخرى: "اقرأ". ثم قال له: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ".

كانت هذه الكلمات هي بداية الرسالة، بداية النور الذي سيبدد الظلام. كان ذلك في سن الأربعين، سن اكتمال العقل ورجاحة الفكر. نزل الوحي على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليحمله أمانةً عظيمة، ليجعله نبيًا ورسولًا، ليختم به سلسلة الأنبياء والمرسلين.

عاد محمد إلى بيته، وقلبه يخفق بشدة، وعقله يعج بالدهشة. أخبر زوجته الحبيبة، خديجة بنت خويلد، بما حدث. خديجة، المرأة العاقلة ذات القلب الكبير، لم تشك في صدقه لحظة واحدة. بل آمنت به، وصدقته، ووقفت إلى جانبه، لتكون أول من يؤمن بهذه الرسالة الجديدة. كان إيمانها دعمًا كبيرًا له في هذه البداية العصيبة.

بدأت دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الخفاء، سرًا بين الأقربين. كان يدعو إلى عبادة الله وحده، إلى ترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع. كان يدعو إلى التوحيد، إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له. كان يدعو إلى العدل، إلى المساواة، إلى الرحمة.

كانت ردود الفعل متباينة. البعض آمن به، منهم أصدقاؤه المقربون، ومنهم من رأى في دعوته نورًا وحقيقة. لكن الغالبية، وخاصة زعماء قريش، قابلوه بالاستكبار والرفض. كانوا يرون في دعوته تهديدًا لمصالحهم، لسطوتهم، لمكانتهم. كانت الأصنام تمثل لهم مصدرًا للقوة والسلطة، وكانت التجارة التي تجلبها لهم إلى مكة هي شريان حياتهم. كيف لهم أن يتركوا كل ذلك من أجل رجلٍ يدعوهم إلى دينٍ جديد؟

بدأت المعارضة تشتد، وبدأ الاضطهاد يأخذ منحى خطيرًا. تعرض المسلمون الأوائل للسخرية، وللإهانة، وللتعذيب. كانوا يُضربون، ويُجوعون، ويُطردون من ديارهم. كان بلال بن رباح، ذلك العبد الحبشي، يتعرض لأشد أنواع العذاب، وكان يُجبر على الاعتراف بآلهة قريش، لكنه كان يصرخ بصوتٍ قوي: "أحدٌ أحد".

لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه في مأمن. كان يُشتم، ويُرمى بالحجارة، ويُحاولون إيذاءه بكل الطرق. لكنه كان صبورًا، وكان ثابتًا على مبدئه. كان يرى في كل هذا ابتلاءً من الله، وامتحانًا لصبره وإيمانه. كان يرد على الإساءة بالإحسان، وعلى الأذى بالدعاء.

في هذه الفترة العصيبة، كان أبو طالب سندًا قويًا. كان يحميه من قريش، ويقف في وجههم مدافعًا عن ابن أخيه. كان يقول لهم: "والله لا يسلم إليه ابن أخي ما وجدتُ إلى ذلك سبيلًا".

كانت دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتغلغل في القلوب، رغم كل الصعاب. كان الناس يرون في صدقه وأمانته، وفي حلمه وصبره، دليلًا على صدق رسالته. كانت المساواة التي يدعو إليها، والعدل الذي ينادي به، تجذب المستضعفين، والفقراء، والمهمشين.

كانت مكة، المدينة التي احتضنت ميلاده، هي نفسها المدينة التي شهدت بداية معاناته. لكن قدر الله كان قد رسم له طريقًا آخر، طريقًا سيمهد لنشر رسالته في كل مكان. كان المصير ينتظر، وكان التاريخ على وشك أن يشهد قصة أعظم الخلق، قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

✦ ✦ ✦