Chapter 2
وعد في جوف الليل
أحمد يقرر عدم النوم ليرى والده، لكنه يغلب عليه النعاس. يستيقظ ليجد والده قد رحل، فيشعر بالحزن الشديد ويدعو الله بقلب طفل نقي.
لم يستطع أحمد إغماض عينيه. كان جسده الصغير يرتجف قليلاً، لا من البرد، بل من مزيج من الإثارة والترقب. السرير، الذي كان عادةً ملاذه الدافئ، بدا الآن وكأنه قفص ضيق. كلما حاول أن يجد وضعية مريحة، كانت أفكاره تتسلل إليه، تعيده إلى صورة والده المتعب، إلى رائحة البحر المالحة التي تلتصق بملابسه، إلى صدى صوته وهو يودعه في الصباح الباكر، قبل أن يشرق نور الشمس. "اليوم لن يذهب أبي قبل أن أراه"، همس أحمد لنفسه، وعقد عزمه كبطل صغير في قصة خيالية.
مرت الدقائق ثقيلة، كأنها ساعات. كان أحمد يقلب نفسه يمينًا ويسارًا، يتظاهر بالنوم، ويفتح عينيه في الظلام الحالك، متأكدًا أن والده لم يعد بعد. سمع صوت أمواج البحر المتلاطمة من بعيد، وصوت الريح وهي تهمس بين أغصان النخيل القريبة. كانت كل الأصوات في الخارج تبدو له كجرس إنذار، يعلن عن عودة والده. لكن الليل كان طويلًا، طويلًا جدًا بالنسبة لطفل في السادسة من عمره، لم يعتد السهر. بدأت جفونه تثقل، وكأن ثقل العالم كله قد استقر عليها. حاول أن يقاوم، أن يفتح عينيه بقوة، أن يشد على أسنانه، لكن جسده الصغير كان يخونه. لم يستطع أن يمنع رأسه من الميل، ولا جسده من الاسترخاء. غلب النعاس أحمد، ووجد نفسه يغوص في نوم عميق، على كرسي الصالة الصغير، بجوار النافذة المطلة على البحر، وقد نام وهو يراقب الظلام.
عندما فتح أحمد عينيه، كانت أشعة الشمس الذهبية قد بدأت ترسم خطوطًا دافئة على الأرضية الخشبية. كان يشعر ببعض الدفء، لكن شيئًا ما كان خاطئًا. شعر بالوحدة. التفت حوله بسرعة، وعيناه تبحثان عن والده. لم يكن هناك أحد. فقط كرسي الصالة، والنافذة، وشعاع الشمس الذي أصبح الآن أكثر سطوعًا. ساد صمت ثقيل في البيت، لم يكن صمتًا مريحًا، بل صمت الفقد. شعر بقلبه ينقبض، وبحزن بارد يتسرب إلى روحه. لقد نام. غلبته نومه، ولم يرَ والده.
نهض أحمد ببطء، ومشاعره تتراكم بداخله. شعر بالإحباط، وبالوحدة، وبالشوق لوالده. لم يستطع منع الدموع من أن تتساقط على خديه الصغيرين. كانت دموعًا نقية، تنبع من قلب طفل يشعر بالظلم، أو ربما يشعر بأن حلمه قد تبخر. وقف بجوار النافذة، وأخذ يراقب البحر الأزرق الواسع، الذي كان يبتلع والده كل يوم. رفع يديه الصغيرتين إلى السماء، وهو يشعر بصدق الدعاء يتغلغل في روحه. "يا رب"، همس بصوت مرتجف، "يا رب، غيّر حالنا، واجعل أبي يملك مالًا كثيرًا حتى لا يضطر للتعب كل يوم. أريد أن ألعب مع أبي، أريد أن أراه مبتسمًا." كانت دعوات طفل بريء، دعوات تنبع من حب عميق ورغبة صادقة في إسعاد من يحب.
وبينما كان ينظر إلى البحر، ويتمنى لو أن هناك طريقة ما، لو أن هناك سرًا يمكن أن يساعد والده، لمعت فكرة في ذهنه الصغير. فكرة جريئة، ربما، لكنها نابعة من إصرار الطفل. "سأستيقظ غدًا باكرًا جدًا!" قال لنفسه، وعيناه تلمعان بعزم جديد. "سأستيقظ قبل أن يستيقظ أبي، وسأذهب معه. سأساعده!" هذه المرة، لم يكن مجرد حلم، بل كان قرارًا. قرار سيغير كل شيء.
في الفجر، قبل أن تشرق الشمس، وقبل أن ينطق أول طائر بكلمة، كان أحمد قد استيقظ. كان جسده لا يزال يشعر ببعض النعاس، لكن إرادته كانت أقوى. تسلل من فراشه، وارتدى ملابسه بسرعة، ثم ذهب إلى غرفة والده. وجده نائمًا بعمق، جسده المرهق قد استسلم للنوم. اقترب منه بحذر، ونادى بصوت خافت، كأنه يخشى أن يزعجه: "أبي.. أبي.."
فتح الأب عينيه ببطء، واحتضنته نظرة ابنه المليئة بالشوق والإصرار. تفاجأ الأب برؤية ابنه واقفًا أمامه في هذا الوقت المبكر، والنشاط يملأ عينيه. ابتسم الأب بحنان، وامتدت يده لتلامس شعر ابنه الناعم. "صباح الخير يا بطل"، قال بصوت دافئ، "ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟"
قال أحمد بثقة، وعيناه تلمعان: "أبي.. أرجوك خذني معك اليوم، أريد أن أساعدك! أريد أن أرى البحر معك."
نظر الأب إلى ابنه، ورأى في عينيه كل الحب والصدق. لم يستطع أن يرفض. شعر بفخر كبير بابنه الصغير، وهو يرى فيه روح المغامرة والرغبة في المشاركة. "البحر هادئ اليوم يا بطل"، قال الأب، وهو يبتسم بحنان، "يبدو أنك مستعد لرحلة صيد. ارتدِ معطفك وهيا بنا!"
ارتدى أحمد معطفه، وشعر بقلبه يخفق بسعادة غامرة. كان هذا هو اليوم الذي انتظره. ركبا القارب الصغير، وانطلقا وسط مياه البحر الزرقاء، التي كانت لا تزال تحتضن ظلام الليل، لكنها بدأت تتوهج بلمسات خفيفة من نور الفجر. شعر أحمد بالهواء البارد يلامس وجهه، ورائحة الملح تملأ أنفه. كان كل شيء يبدو له سحريًا.
بدأ الأب يرمي الشباك في البحر، وأحمد بجانبه، يناوله الحبال بهمة ونشاط. كان يشعر بأنه جزء أساسي من هذه الرحلة، وأن لديه دورًا مهمًا. سأل أحمد والده بفضول، وعيناه تتأملان اتساع البحر: "أبي، هل البحر يخبئ أسرارًا كثيرة؟"
ضحك الأب بصوت خافت، وعيناه تلمعان بحكمة السنين. "نعم يا بني"، قال، "والبحر كريم جداً مع من يصبر ويعمل بجد. إنه يخفي كنوزًا لمن يطلبها بصدق."
كان أحمد يستمع بانتباه، وهو يشعر بأن البحر يهمس له بأسراره. وفجأة، اهتزت الشباك بقوة، وبدأ صوت الماء يعلو. تراجع القارب قليلاً من ثقل ما كان في الشبكة. صاح الأب بصوت قوي، ولكنه مليء بالإثارة: "أحمد! امسك الحبل معي بقوة، هناك شيء ضخم في الشبكة!"
وضع أحمد يديه الصغيرتين فوق يدي أبيه، وشدا الحبل بكل قوتهما. حبسا أنفاسهما، وقلوبهما تخفقان بشدة. كانا يشعران بقوة هائلة تسحب من أسفل. ثم، فجأة، قفزت إلى القارب سمكة ضخمة، تلمع قشورها الفضية تحت أشعة الشمس التي بدأت ترتفع في السماء. كانت سمكة لم يرَ أحمد مثلها من قبل.
صاح أحمد بفرح، وعيناه تتسعان دهشة: "يا إلهي! ما أكبر هذه السمكة!"
مسح الأب حبات العرق عن جبينه، ونظر إلى ابنه بفخر واعتزاز. "هذه السمكة الكبيرة بفضل وجودك ودعائك معي يا بني"، قال الأب، "لن أبيعها في السوق اليوم. بل سنأخذها إلى البيت لتكون هدية أولى لك بمناسبة خروجك معي."
عاد الأب وأحمد إلى المنزل، والفرحة تملأ قلبيهما. استقبلتهما الأم بسعادة، وأخذت السمكة الكبيرة إلى المطبخ لتنظفها وتحضر منها عشاءً شهيًا. وفجأة، سُمع صوت شهقة قوية من المطبخ، ثم صراخ الأم بذهول: "أبو أحمد! أحمد! تعاليا بسرعة! انظرا ماذا وجدت!"
ركض الأب وأحمد إلى المطبخ، وقلوبهما تنبض بالفضول. وجدا الأم واقفة متجمدة من المفاجأة، تمسك بيدها شيئًا يلمع ببريق ساحر. كانت جوهرة ضخمة، تضيء أركان المطبخ بألوان قوس قزح. كانت تختبئ داخل بطن السمكة العجيبة.
انعكس نور الجوهرة على وجه أحمد الصغير. ابتسم ابتسامة واسعة، وعلم فورًا أن الله قد استجاب لدعائه النقي. لقد كان هذا هو السر الذي يخفيه البحر، وهو الهدية التي غيرت حياتهم.