Chapter 3
صحوة القوة
في لحظة يأس وغضب، تستيقظ قوى خارقة لم تكن شاتا تعرفها. قوة هائلة تولد من رحم الألم، وتعد بالانتقام.
كان الهواء يرتجف، ليس من البرد، بل من صدمة ما حدث. صدمة لم تتوقف عند حد فقدان الأهل، بل امتدت لتخترق عظام شاتا، لتصل إلى عمق روحها. كانت الأعين البشرية التي فقدتها، تلك الأعين التي كانت تبتسم لها بحب، قد تحولت الآن إلى ظلال باهتة في ذاكرتها، ظلال تصرخ بكلمة واحدة: انتقام.
كانت شاتا تجثو على ركبتيها وسط بقايا منزلها، بقايا منزل لم يعد سوى كومة من الرماد والذكريات المؤلمة. رائحة الدخان والدم كانت لا تزال عالقة في الهواء، تذكرها باللحظات الأخيرة، بالصرخات التي لا يمكن أن تمحى. لم يكن الأمر مجرد فقدان، كان مذبحة. لم يكونوا مجرد بشر، كانوا عائلتها.
ارتعشت يداها، ولكن ليس من الخوف. كان ارتعاشاً غريباً، كأن شيئاً ما بداخلها يحاول التحرر. شعرت بدفء يتصاعد من أعماقها، دفء لم تعرفه من قبل. لم يكن دفء الغضب فقط، بل كان شيئاً أعمق، شيئاً أقدم.
"لماذا؟" همست، والصوت بالكاد خرج من حنجرتها. "لماذا فعلتم هذا؟"
لم يكن هناك من يجيب. فقط صمت الموت، وصمت الماضي الذي لا يرحم. رفعت رأسها، نظرت إلى السماء المظلمة، كأنها تبحث عن إجابة في النجوم التي غابت خلف السحب.
وفجأة، شعرت بقوة هائلة تتدفق فيها. قوة لم تكن تفهمها، قوة جعلت جسدها يرتعش بشكل لم يسبق له مثيل. لم يكن الأمر مؤلماً، بل كان أشبه بتحرر. كأن سداً كان يحبس شيئاً عظيماً، والسد قد انهار.
شعرت بأن عينيها تشتعل، ليس من الدموع، بل من طاقة غريبة. شعرت بأن أظافرها تطول، وأن قوتها تتضاعف. لم تكن مجرد مصاصة دماء ضعيفة تحاول الاندماج، كانت شيئاً آخر. شيئاً أكثر.
"أنتم..." قالت بصوت أقوى هذه المرة، صوت يهدر بالحقد. "أنتم من بدأتم."
وقفت. وقفت كأنها لم تكن تجثو قبل لحظات. كان طولها يبدو أكبر، وهالتها أشد. لم تعد شاتا التي كانت تخاف من اكتشاف سرها، بل أصبحت شاتا التي لا تخاف من شيء.
نظرت إلى يديها، يداها التي كانت ترتجف قبل قليل، أصبحت الآن ثابتة، قوية. أغلقت قبضتها، وشعرت بأن الهواء حولها يتكثف.
"لن أسامحكم."
كانت تلك الكلمة الشرارة. الشرارة التي أشعلت النار بداخلها. لم تكن تعرف ما هي هذه القوة، لكنها عرفت شيئاً واحداً: أنها ستستخدمها. ستستخدمها لتدميرهم.
بدأت تتحرك. لم تكن تعرف إلى أين تذهب، لكنها عرفت أنها ستذهب إلى حيث يوجد أعداؤها. شعرت بأن العالم كله يتغير من حولها. الأشجار تبدو أطول، والظلال أعمق. كل شيء بدا وكأنه يرحب بهذه القوة الجديدة.
كانت تتبع أثراً، أثراً من الخوف والدم. شعرت بأنها أصبحت صيادة، صيادة لا تعرف الرحمة. كل خطوة كانت تخطوها كانت تزيد من قوتها، وتزيد من غضبها.
لم يكن الأمر سهلاً. كان هناك صراع داخلي. جزء منها كان يصرخ بالخوف، يصرخ بالندم. لكن جزءاً آخر، جزءاً قوياً، كان يصرخ بالانتقام. وكان صوت الانتقام هو الأعلى.
تذكرت وجه والدتها بالتبني، وجهها الذي كان مليئاً بالحب. تذكرت ابتسامة والدها، ضحكاته. كل هذه الذكريات كانت تدفعها للأمام، تدفعها للانتقام.
"لن يموتوا هكذا."
كانت كلماتها أشبه بتمتمة، لكنها كانت تحمل وعداً. وعداً بالدم، وعداً بالدمار.
وصلت إلى مكان مهجور، مكان كان يبدو وكأنه معقل لأعدائها. شعرت بوجودهم، شعرت بأنهم منتشرون في كل مكان. لم يكن هناك خوف في قلبها، بل كان هناك حماس، حماس للصيد.
"حان وقت الدفع."
بدأت الهجوم. لم يكن هجوماً عادياً. كان هجوماً وحشياً، هجوماً لا يعرف الرحمة. كانت تتحرك بسرعة البرق، تنهي حياة أعدائها بلمسة واحدة. لم تكن تشعر بالندم، بل كانت تشعر بالرضا.
كانت ترى الخوف في عيونهم، الخوف الذي كانوا يزرعونه في قلوب الآخرين. كانت تتغذى على هذا الخوف، كانت تستمد منه قوتها.
"هذه لكم."
كانت تقولها لكل واحد منهم، قبل أن تنهي حياته. كانت كلماتها أشبه بصرخة، صرخة من الألم والغضب.
كانت ترى أن قواها تتزايد مع كل حياة تأخذها. كانت تشعر بأنها أقوى، أسرع، وأكثر فتكاً. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة التي كانت تخاف من العالم، بل أصبحت وحشاً، وحشاً لا يعرف الرحمة.
لكن مع كل حياة تأخذها، كان هناك صوت صغير بداخلها، صوت يحاول أن يذكرها بما كانت عليه. صوت يصرخ بالندم، يصرخ بالخوف.
"هل هذا ما أردت؟"
كان الصوت يسألها. هل هذا ما أردت؟ أن تصبحي مثلهم؟ أن تصبحي وحشاً؟
كانت تتجاهل الصوت. كانت تدفعه بعيداً. كان الانتقام هو كل ما يهمها الآن. كان الانتقام هو هدفها الوحيد.
واصلت الهجوم، واصلت القتل. كانت ترى بقايا أعدائها تتناثر حولها. كانت ترى الدم يغطي الأرض. لكنها لم تتوقف.
"لن أرحم أحداً."
كانت كلماتها أشبه بتعهد. تعهد بالدم، تعهد بالدمار.
بعد فترة، توقفت. توقفت لأنها لم تعد ترى أحداً. كانت قد أنهت كل شيء. كانت قد قضت على كل من كان هناك.
شعرت بالإرهاق، لكنه لم يكن إرهاق جسدها، بل إرهاق روحها. شعرت بأن شيئاً ما بداخلها قد تلاشى. شعرت بأن جزءاً من إنسانيتها قد مات.
نظرت إلى يديها، يداها التي كانت ملطخة بالدم. لم تعد تلك اليدان اللتان كانت تحمل بهما عائلتها، لم تعد تلك اليدان اللتان كانت ترسم بهما أحلامها. أصبحت يدين قاتلتين، يدين لا تعرفان الرحمة.
"ماذا فعلت؟"
كان الصوت يسألها مرة أخرى. هذا الصوت الذي لم تستطع تجاهله هذه المرة.
نظرت حولها، نظرت إلى الدم، إلى الدمار. شعرت بأنها قد فقدت شيئاً ثميناً. شيئاً لا يمكن استعادته.
"لقد أصبحتم مثلي."
كانت كلماتها أشبه بالبكاء. بكاء من الألم، بكاء من الندم.
جلست على الأرض، وسط بقايا أعدائها. شعرت بأنها وحدها. وحدها في هذا العالم، وحدها مع قوتها الجديدة.
"هل هذا هو الانتقام؟"
كانت تسأل نفسها. هل هذا هو الانتقام الذي كنت أبحث عنه؟ هل هذا هو الثمن الذي يجب أن أدفعه؟
لم يكن هناك من يجيب. فقط صمت الموت، وصمت الماضي الذي لا يرحم.
كانت تعلم أنها قد بدأت رحلة طويلة. رحلة مليئة بالدم، مليئة بالدمار. رحلة لا تعرف نهايتها.
لكنها عرفت شيئاً واحداً: أنها لن تتوقف. لن تتوقف حتى تأخذ كل ما تريده. حتى تنتقم لكل من فقدت.
"سأعود."
كانت كلماتها أشبه بتهديد. تهديد للعالم كله.
وقفت مرة أخرى. وقفت كأنها لم تكن تجلس قبل لحظات. وقفت كأنها لم تتألم.
نظرت إلى السماء المظلمة، كأنها تبحث عن إجابة في النجوم التي غابت خلف السحب.
"سأعود."
كانت تلك الكلمة هي وعدها. وعدها بالانتقام. وعدها بالدم. وعدها بالدمار.
انطلقت. انطلقت في الظلام، انطلقت في الليل. انطلقت نحو هدفها، نحو انتقامها.
لم تكن تعرف ما إذا كانت ستنجح. لم تكن تعرف ما إذا كانت ستستطيع استعادة ما فقدته. لكنها عرفت شيئاً واحداً: أنها لن تستسلم. لن تستسلم حتى تأخذ كل ما تريده.
كانت رحلتها قد بدأت للتو. رحلة الانتقام. رحلة الدم. رحلة الدمار.
لكنها لم تكن تعرف أن هذه الرحلة ستقودها إلى مكان لم تتخيله أبداً. مكان ستجد فيه نفسها، أو ستفقد نفسها إلى الأبد.
كانت قواها الجديدة نعمة ونقمة. نعمة لأنها ستساعدها في الانتقام. ونقمة لأنها ستغيرها إلى الأبد.
"سأنتقم."
كانت كلماتها الأخيرة قبل أن تختفي في الظلام. كلمات تحمل وعداً، وعداً بالدم، وعداً بالدمار.