Chapter 1
الهدوء الذي يسبق العاصفة
تعيش شاتا، مصاصة الدماء، حياة هادئة تحاول فيها الاندماج مع البشر. لكن هذا الهدوء لن يدوم طويلاً، فالقدر يخبئ لها مفاجأة مظلمة ستغير حياتها إلى الأبد.
كانت شاتا تحب رائحة المطر على الأسفلت الساخن. لم يكن الأمر مجرد رائحة، بل كان شعوراً بالانتعاش، كأن المدينة بأكملها تتنفس الصعداء بعد يوم طويل من أشعة الشمس الحارقة. كانت تقف عند نافذة شقتها الصغيرة، تراقب قطرات المطر تتراقص على زجاج النافذة، ترسم خطوطاً متعرجة تتلاشى بسرعة. كانت هذه لحظاتها المفضلة، لحظات الهدوء التي تسمح لها بالتظاهر بأنها مجرد فتاة عادية، تعيش حياة عادية.
"شاتا، حبيبتي، هل ستأتين لتناول العشاء؟ لقد أعددت اللازانيا التي تحبينها!" صوت السيدة إيفا، أمها بالتبني، اخترق هدوء تفكيرها. ابتسمت شاتا، ابتسامة لم تصل إلى عينيها تماماً، لكنها كانت كافية.
"قادمة يا أمي!" أجابت بصوت حمل بعضاً من الدفء المصطنع. كان عليها أن تتظاهر، دائماً. كانت تعلم أن هذه العائلة، هذه الحياة، مجرد قناع ترتديه. لكنها كانت قناعاً جميلاً، ومريحاً. لقد أنقذوها من الظلام الذي كاد يبتلعها، أعطوها اسماً، حباً، وطناً.
كانت شاتا في عمر الثامنة عشرة، تبدو كأي مراهقة في مثل عمرها. شعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها، وعيناها الواسعتان بلون العسل تخفيان سراً قديماً. كانت تحاول أن تكون طبيعية قدر الإمكان. تذهب إلى المدرسة، تضحك مع صديقاتها، تشاهد الأفلام، وتتجادل مع أخيها بالتبني، سام. كانت تحاول جاهدة أن تنسى أنها مختلفة، أن تنسى أن دماء أخرى تسري في عروقها، دماء لا تبصرها الشمس.
"ماذا تفكرين فيه؟" سأل سام، شاب في الثانية والعشرين من عمره، ذو ابتسامة واسعة وشعر أشقر فوضوي. دخل المطبخ، وسحب كرسياً ليجلس مقابلاً لوالدته. "تبدين شاردة الذهن اليوم."
"لا شيء، مجرد... تفكير في درجاتي." كذبت شاتا، وجلست على المائدة. كانت تكره الكذب على عائلتها، لكنها لم تجد طريقة أخرى. كيف يمكنها أن تشرح لهم أنها ليست بشرية تماماً؟ أن هناك جزءاً منها يتوق إلى الظلام، إلى القوة، إلى شيء أعمق وأقدم من هذه الحياة الهادئة؟
"درجاتك دائماً ممتازة، لا تقلقي." قالت السيدة إيفا، وهي تضع طبق اللازانيا الساخن أمامها. "أخشى أنكِ مرهقة. يجب أن تأخذي قسطاً من الراحة."
"ربما." همست شاتا، وبدأت بتناول طعامها. كانت تحب مذاق اللازانيا، لكنها لم تكن تشعر بالجوع الحقيقي. معدتها لم تكن تحتاج إلى طعام بشري. كانت تحتاج إلى شيء آخر، شيء لم تكن تعرف ما هو بعد.
في تلك الليلة، وبعد أن ذهب الجميع للنوم، عادت شاتا إلى نافذتها. كان المطر قد توقف، وظهرت النجوم في السماء الصافية. كانت تشعر بشيء غريب، بشعور بالتوتر، كأن الهواء نفسه يحمل وعداً بالخطر. لم تكن تعرف لماذا، لكن قلبها كان ينبض بسرعة.
فجأة، سمعت صوتاً. صوت خطوات خفيفة تقترب من المبنى. لم يكن صوت سام أو السيدة إيفا. كان صوتاً غريباً، محسوباً، كأن من يمشي عليه يعرف تماماً ما يفعله. تجمدت شاتا في مكانها، وعيناها اتسعت.
"من هناك؟" نادت بصوت خافت، لكن صوتها كان يرتجف.
الصوت توقف. ثم، سمعت ضجة قوية من الطابق السفلي. صراخ. صراخ والدتها.
"أمي!" صرخت شاتا، وقلبها يكاد يتوقف. ركضت نحو باب غرفتها، لكنه كان مغلقاً. حاولت فتحه بقوة، لكنه لم يتحرك. الباب كان مقفلاً من الخارج.
"شاتا! اهربي!" سمعت صوت أبيها بالتبني، السيد ديفيد، يصرخ بضعف. ثم، ساد صمت مخيف. صمت أثقل من أي شيء سمعته في حياتها.
في تلك اللحظة، شعرت شاتا ببرودة تسري في عروقها. لم تكن برودة المطر، بل برودة الموت. بدأت تشعر بشيء يتغير داخلها، شيء غريب وقوي. كانت تشعر بالدم يغلي في عروقها، ليس دمها العادي، بل دم آخر، دم أكثر قوة، أكثر وحشية.
"لا... لا يمكن أن يحدث هذا." همست، وهي تضرب الباب بقبضتها. كانت تشعر بغضب يشتعل بداخلها، غضب لم تشعر به من قبل. غضب أسود، كثيف، يهدد بابتلاعها.
فجأة، شعرت بقوة هائلة تتدفق في جسدها. قوة لم تعرف بوجودها. شعرت بذراعيها تتمددان، وأظافرها تطول وتصبح حادة كالمخالب. عيناها احمرتا، وبدأت تشعر بأن قدرتها على الرؤية تتغير. كل شيء أصبح أكثر وضوحاً، أكثر حدة.
"لن أسمح لكم!" صرخت، بصوت لم يعد صوتها. صوت عميق، خشن، مليء بالوحشية.
ضربت الباب بقوة أكبر. هذه المرة، لم يكن مجرد ضربة. كان انفجاراً من الطاقة. انكسر الباب، وتناثرت أجزاؤه في الغرفة. وقفت شاتا في المدخل، تحدق في الظلام الذي يحيط بها.
نزلت الدرج، وكل خطوة كانت تحمل معها وعداً بالدمار. وجدت والدتها وأباها بالتبني ملقيين على الأرض، بلا حراك. والغرفة كانت في حالة فوضى، كأن عاصفة قد مرت بها.
في وسط الغرفة، وقف رجلان يرتديان ملابس سوداء، يحملان أسلحة غريبة. كانا ينظران إليها بعيون خالية من أي مشاعر.
"مصاصة دماء." قال أحدهما بصوت بارد. "لقد كنا نبحث عنك."
في تلك اللحظة، لم تعد شاتا الفتاة التي تحاول الاندماج. لم تعد الفتاة التي تخاف من الظلام. لقد تحولت. تحولت إلى شيء آخر، شيء لا يعرف الرحمة.
"أنتم..." قالت، وصوتها كان يرتجف من الغضب. "أنتم قتلتم عائلتي."
"لقد قضينا على تهديد." أجاب الآخر، بابتسامة ساخرة. "والآن، سنقضي عليكِ."
اندفع الرجلان نحوها. لكن شاتا لم تعد تلك الفتاة الضعيفة. شعرت بقوة لا تصدق في جسدها. رفعت يدها، ورأت ضوءاً أحمر يتشكل في راحة يدها. ثم، أطلقت الضوء على الرجلين.
انفجر الرجلان في سحابة من الغبار الأحمر. لم يتركا أثراً. وقفت شاتا، تتنفس بصعوبة. كانت يداها ترتجفان. لم تكن تعرف ما حدث، لكنها عرفت شيئاً واحداً: لقد اكتشفت قواها. قواها التي كانت كامنة بداخلها.
نظرت إلى جسدي والديها بالتبني. شعرت بشيء يمزقها من الداخل. لم يكن حزناً فقط، بل كان غضباً، ورغبة جامحة في الانتقام.
"سأنتقم منكم." همست، وعيناها تلمعان باللون الأحمر. "سأنتقم من كل واحد منكم."
خرجت من المنزل، تاركة وراءها الدمار والفوضى. كانت السماء قد بدأت تمطر مرة أخرى، كأنها تبكي على ما حدث. لكن شاتا لم تكن تبكي. كانت تشعر بشيء مختلف. شعور بالقوة، وبالهدف.
في تلك الليلة، بدأت رحلة شاتا. رحلة الانتقام. رحلة ستغير العالم. رحلة ستجعلها تفقد كل ما تبقى من إنسانيتها.
كانت تسير في الشوارع المظلمة، تشعر بالبرد يتغلغل في عظامها، لكنها لم تكن تشعر بالخوف. كانت تشعر بالغضب، وبالرغبة في القتل. كانت تشعر بأنها أصبحت وحشاً.
"يجب أن أجدهم." قالت لنفسها، وعيناها تبحثان عن أي أثر يدل على المنظمة التي قتلت عائلتها. "يجب أن أجعلهم يدفعون الثمن."
في تلك اللحظة، لم تكن تفكر في عواقب أفعالها. لم تكن تفكر في ما ستصبح عليه. كانت تفكر فقط في الانتقام. في الثأر. في الدم.
لم تكن تعلم أن هذا الانتقام سيأخذها إلى مكان مظلم، إلى مكان لن تستطيع العودة منه أبداً. لم تكن تعلم أن القوة التي استيقظت بداخلها، هي القوة التي ستحولها إلى ما تخشاه البشرية.
كانت مجرد بداية. بداية عاصفة ستجتاح العالم. بداية النهاية.