Chapter 2

الفصل الثاني: سُم العائلة

تتلقى كوكي كلمات قاسية من عائلتها، سهام مسمومة تخترق قلبها، وتزيد من شعورها بالوحدة والضياع في بحر من التجاهل.

5 min read

كانت كوكي تجلس في غرفتها، وهي ملاذها الوحيد من سُم العائلة. جدران الغرفة مزينة بملصقات لأفلام الرعب القديمة، تلك التي تعكس شغفها الغريب بالجانب المظلم من الحياة. كانت تقلب صفحات كتاب مدرسي بلامبالاة، لكن عقلها كان في مكان آخر، عالقاً في دوامة الكلمات الجارحة التي لا تتوقف عن الدوران.

"كوكي، هل انتهيتِ من واجباتك؟" صوت والدتها اخترق هدوء غرفتها، يحمل نبرة لا تخلو من السخرية.

نهضت كوكي ببطء، وشعرت بثقل العالم على كتفيها. "نعم يا أمي."

دخلت والدتها الغرفة، وعيناها تفحصان كل شيء بنظرة باردة. "بالتأكيد، ماذا كان ليفعله غير ذلك؟ ليس لديكِ أصدقاء لتضيعي وقتك معهم."

ابتلعت كوكي الكلمات، كأنها سمٌ بطيء المفعول. لم تكن هذه المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة. كانت هذه هي لغة عائلتها، لغة التجريح والتقليل من شأنها.

"أتمنى لو كنتِ مثل أخواتك، أكثر لطفاً وأقل غرابة." أضافت والدتها، وهي تتجه نحو النافذة، وكأنها تبحث عن مخرج من هذا الجو الثقيل.

"ولكنني لست مثلهن." أجابت كوكي بصوت خافت، تكاد لا تسمع.

"هذا واضح جداً." قالت والدتها ببرود، ثم خرجت من الغرفة، تاركة وراءها فراغاً أكبر من ذي قبل.

جلست كوكي على سريرها، وشعرت بدموعها تتجمع في عينيها. لماذا كانت معاملتها بهذه القسوة؟ لم تفعل شيئاً ليؤذي أحداً. كانت تحاول فقط أن تكون على طبيعتها، أن تعيش حياتها كما تشاء.

في تلك اللحظة، دخل والدها الغرفة، يحمل في يديه كوباً من الشاي. كان دائماً يظهر في الأوقات التي تكون فيها كوكي في أضعف حالاتها.

"ما بكِ؟ تبدين كمن فقد عقله." قال بصوت أجش، وهو يضع الكوب على طاولة بجانبها.

"لا شيء يا أبي." أجابت كوكي، وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها.

"لا شيء؟ لا تكذبي عليّ. أعرف كيف تبدين عندما تكونين حزينة. ربما لو كنتِ أكثر اجتهاداً في دراستك، لما كنتِ تشعرين بالوحدة."

كان هذا هو هجومه المعتاد. دائماً ما يحول خطأها إلى فشل، ويفشل في رؤية أي شيء إيجابي فيها.

"أنا أبذل قصارى جهدي." قالت كوكي، وتشعر بأن قوتها تتلاشى.

"قصارى جهدكِ ليس كافياً. أنتِ عبء على هذه العائلة. لو كنتِ مثل أخواتك، لكنتِ مصدر فخر لنا." قال والدها، ثم غادر الغرفة، تاركاً كوكي وحدها مع أفكارها المظلمة.

شعرت كوكي بأنها غير مرئية، كأنها شبح يعيش بين أفراد عائلتها. لم يكن هناك أحد يفهمها، أو يهتم بمشاعرها. كانت وحدتها تزداد عمقاً، وتتحول إلى شعور بالمرارة.

في المساء، أثناء العشاء، استمرت حفلة التجريح.

"كوكي، لماذا لم تساعدي في ترتيب المائدة؟" سأل أخوها الأكبر، بصوت يحمل نبرة اتهام.

"كنت أدرس." أجابت كوكي، وهي تحاول أن تتجاهل نظرات أخواتها التي كانت مليئة بالاستعزاء.

"الدراسة؟ دائماً ما تستخدمين الدراسة كذريعة. لو كنتِ أكثر تعاوناً، لكانت الحياة أسهل لنا جميعاً." قالت أختها الوسطى، وهي تبتسم ابتسامة ماكرة.

"بالضبط. أنتِ دائماً ما تكونين مختلفة. ألا ترين أننا نتعب؟" أضافت أختها الصغرى، بصوت طفولي لكنه يحمل نبرة قسوة.

كانت كوكي تشعر بأنها محاصرة. كل كلمة كانت كالطعنة، وكل نظرة كانت كالنار التي تحرقها. لم تعد تتحمل.

"أنا لست مختلفة! أنا فقط لا أريد أن أكون مثلكم!" صرخت كوكي، وصوتها يرتجف من الغضب.

صمت الجميع. كانت تلك المرة الأولى التي تخرج فيها كوكي عن صمتها بهذا الشكل.

"ماذا قلتِ؟" سأل والدها، بصوت هادئ مخيف.

"قلتُ أنني لست مختلفة! أنتم من تجعلونني هكذا! أنتم من تزرعون فيّ هذا الشعور بأنني لا أنتمي لهذه العائلة!"

"لا تتحدثي بهذه الطريقة! أنتِ تتجاوزين حدودكِ!" صاحت والدتها، وهي تقف وتنظر إليها بغضب.

"حدودي؟ ما هي حدودي؟ أن أكون دمية صامتة لا تتكلم؟ أن أتحمل كل كلماتكم الجارحة دون أن أقول شيئاً؟"

"أنتِ لا تفهمين شيئاً. نحن نفعل كل هذا لمصلحتكِ." قال والدها، وهو يحاول السيطرة على الموقف.

"مصلحتي؟ مصلحتي أن أكون وحيدة؟ أن أشعر بأنني لا قيمة لي؟"

"كوكي، هذا يكفي!" قالت أمها، وهي تشير إلى الباب. "اذهبي إلى غرفتكِ!"

لم تحتج كوكي إلى تكرار. انطلقت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوة. جلست على الأرض، وبدأت بالبكاء. بكاء مرير، بكاء يخرج كل الألم الذي كانت تخبئه في داخلها.

كانت تشعر بأنها غير مرغوبة، وأنها لا تستحق الحب أو الحنان. كانت تشعر بأنها عبء ثقيل على عائلتها، وأن وجودها مجرد خطأ.

لكن وسط هذا اليأس، بدأت شرارة صغيرة من الغضب تشتعل في قلبها. شرارة لم تكن لتتخيلها من قبل. شرارة الانتقام.

"لن أسمح لهم بعد الآن. لن أسمح لهم بتحطيم روحي." همست كوكي لنفسها، وهي تمسح دموعها.

نظرت إلى ملصقات أفلام الرعب على جدران غرفتها. كانت هذه الأفلام تعلمها شيئاً واحداً: أن القوة تأتي من الداخل، وأن الظلام يمكن أن يكون صديقاً.

"سوف أريكم. سوف أريكم معنى الألم الذي جعلتموني أشعر به."

في تلك اللحظة، شعرت كوكي بقوة غريبة تسري في عروقها. قوة لم تعرفها من قبل. قوة مستمدة من كل الكلمات الجارحة، وكل النظرات الباردة، وكل لحظات الوحدة.

كانت تلك هي بداية النهاية لعلاقتها بعائلتها. كانت تلك هي بداية رحلة الانتقام.

نهضت كوكي، وتوجهت نحو مكتبها. فتحت درجاً سرياً، وأخرجت منه قلادة قديمة ورثتها عن جدتها. كانت القلادة تحمل حجراً أسود غامضاً، يقال إن له قوى خارقة.

"لقد حان الوقت لاستخدام قواكِ يا جدتي." قالت كوكي، وهي تضع القلادة حول عنقها.

شعرت القلادة بالدفء، وكأنها تستجيب لندائها. بدأت كوكي تشعر بتغير في داخلها. شعور بالقوة، وبالثقة.

"سوف أتحرر من قيودكم. سوف أجد مكاني في هذا العالم. ولن أسمح لأحد بأن يحدد قيمتي."

في تلك الليلة، لم تنم كوكي. كانت تخطط، وتفكر. كانت تدرك أن الانتقام ليس سهلاً، ولكنه ضروري. ضروري لتستعيد حياتها، ولتثبت لنفسها وللعالم أنها ليست مجرد فتاة وحيدة، بل هي فتاة قوية، قادرة على فعل أي شيء.

نظرت إلى انعكاسها في المرآة. بدت مختلفة. عيناها كانت تلمعان ببريق جديد، بريق التحدي.

"سوف ترون. سوف ترون كوكي التي لم تعرفوها من قبل."

كانت كلمات عائلتها كسمٍ بطيء. لكن كوكي، قررت أن تحول هذا السم إلى دواء. دواء للانتقام، وللتحرر.

أغمضت كوكي عينيها، واستشعرت قوة القلادة. بدأت تتخيل كيف ستكون حياتها بعد الانتقام. حياة مليئة بالحرية، والحنان، والحب. حياة تستحقها.

"هذه ليست نهاية قصتي. هذه مجرد بداية."

كانت تلك الكلمات الأخيرة التي همست بها كوكي لنفسها قبل أن تستسلم للنوم. نوم لم يكن هادئاً، بل كان مليئاً بالأحلام، أحلام الانتقام، وأحلام الحرية.

وبينما كانت كوكي نائمة، كانت عائلتها غافلة تماماً عما كان يختمر في داخلها. كانوا يعتقدون أنها مجرد فتاة ضعيفة، سهلة الانقياد. لكنهم كانوا مخطئين. كانوا على وشك أن يواجهوا كوكي الحقيقية. كوكي التي لن تسكت بعد الآن. كوكي التي قررت أن تنتقم.

✦ ✦ ✦