Chapter 1

الفصل الأول: مملكة الوحدة

نقدم كوكي، فتاة فريدة تعيش في عالمها الخاص، تفضل العزلة على الرفقة، وتجد سحرها في ظلام أفلام الرعب. حياتها الهادئة تبدأ بالتغير.

5 min read

في عالمٍ يضجّ بالحياة، حيث تتراقص الألوان وتتداخل الأصوات، كانت كوكي تعيش في مملكةٍ خاصة بها، مملكةٌ نسجتها من خيوط الوحدة وألوان الظلام، مملكةٌ لا تطأها قدما صديق ولا يرتادها سوى خيالها الجامح. لم تكن كوكي كباقي الفتيات في الثانوية، فلا تجد في أحاديثهنّ عن الموضة والمكياج إلا فراغًا، ولا في ضحكاتهنّ الصاخبة إلا صدىً باهتًا. كانت تبحث عن شيءٍ أعمق، عن شيءٍ يلامس شغفها الغريب، شغفٌ يتجسد في عوالم أفلام الرعب، حيث الوحوش والمسوخ والأشباح، حيث الخوف يتحول إلى متعة، والدموع إلى صرخاتٍ مكتومة.

كانت غرفتها ملاذها، جدرانها تغطيها ملصقات لأفلام الرعب الكلاسيكية، وشاشتها تعرض باستمرار لقطاتٍ مرعبة، تتأملها بعينين لامعتين، وكأنها ترى فيهنّ انعكاسًا لذاتها. كانت تشعر بالقرب من تلك الكائنات الشاذة، من تلك الأرواح المعذبة، أكثر من أي شخصٍ آخر في حياتها. كانت تفهمهم، تفهم صراعهم، تفهم وحدتهم، تفهم ألمهم.

أما عائلتها، فكانت عالمًا مختلفًا تمامًا. عالمٌ باردٌ خالٍ من الدفء، عالمٌ تتردد فيه الكلمات الجارحة كسهامٍ مسمومة، تخترق قلبها الصغير وتترك ندوبًا عميقة. والدها، رجلٌ ذو ملامح قاسية، لا يرى فيها سوى فتاةً مدللة، فاشلة، لا تفيد بشيء. ووالدتها، صامتةٌ غالبًا، لكن صمتها كان أبلغ من أي كلام، صمتٌ يشارك في إذلالها، صمتٌ يؤكد لها أنها غير مرئية، غير مهمة. أما أشقاؤها، فكانوا يسيرون على خطى والديهم، يضيفون إلى قاموسها كلماتٌ جديدة من الإهانة والسخرية، يذكرونها دائمًا بأنها عبءٌ عليهم، بأنها لا تنتمي إليهم.

"كوكي، هل انتهيتِ من واجباتك؟" صوت والدها القاسي اخترق صمت غرفتها، صوتٌ يحمل دائمًا نبرة اتهام. نهضت كوكي ببطء، شعرت بثقلٍ يقع على صدرها. "نعم يا أبي." دخل والدها الغرفة، نظر إليها بنظرةٍ باردة، وكأنه يفحص سلعةً رديئة. "أتمنى أن تكوني قد بذلتِ جهدًا هذه المرة، لا أريد أن أرى علاماتٍ سيئة في شهادتك، هذا سيجعلنا نُحرج أمام الناس." لم ترد كوكي، علمت أن أي ردٍ سيكون بلا فائدة. لم يفهم والدها أبدًا أنها لم تكن تسعى لإرضائه، بل كانت تسعى فقط للبقاء على قيد الحياة في هذا الجو المسموم.

ذات مساء، خلال عشاءٍ عائلي، وبينما كانت العائلة تتناول الطعام بصمتٍ ثقيل، انكسر الصمت فجأة بصوت والدتها، "كوكي، سمعت معلمتك تتحدث عنك اليوم، تقول أنكِ لا تشاركين في الأنشطة المدرسية، وأنكِ منعزلة عن زملائك. ما الذي تفعلينه بالضبط؟" شعرت كوكي بالحرارة تصعد إلى وجهها. "أنا فقط... أفضل أن أكون وحدي." قاطعها والدها بضحكةٍ ساخرة، "تفضلين أن تكوني وحدك؟ هل تعتقدين أنكِ مميزة؟ كل الناس لديهم أصدقاء، لماذا أنتِ مختلفة؟ هل أنتِ أفضل منهم؟" شعر أشقاؤها بالفرصة المواتية، فبدأوا هم الآخرون في سيلٍ من التعليقات. "إنها دائمًا هكذا، غريبة الأطوار." "ربما هي لا تعرف كيف تتحدث مع الناس." شعرت كوكي بأن الأرض تدور بها. كانت الكلمات تتراكم في أذنيها، كل كلمةٍ كطعنةٍ سكين، كل كلمةٍ تؤكد لها أنها لا قيمة لها، أنها مجرد فراغٍ في هذا العالم. شعرت بأنها ليست سوى شبحٍ يتجول في منزلٍ لا ينتمي إليها، شبحٌ يفتقر إلى الحب، إلى الحنان، إلى أي شكلٍ من أشكال الانتماء.

"إنها لا فائدة منها!" قال والدها بصوتٍ مرتفع، "لا تفعل شيئًا سوى إضاعة وقتها في أشياءٍ سخيفة." "أشياء سخيفة؟" فكرت كوكي، "هل مشاهدة فيلم رعب سخيف؟ هل الشعور بالوحدة سخيف؟ هل كوني مختلفة سخيف؟" في تلك اللحظة، شعرت كوكي بشيءٍ يتكسر بداخلها، شيءٌ كان يتراكم منذ سنوات، شيءٌ كان ينمو بصمتٍ في الظلام. انفجرت كوكي، ليست بالبكاء، بل بغضبٍ عارم، غضبٌ لم تعرف أنه يمتلكه.

"نعم! أنا مختلفة! أنا لا أريد أن أكون مثلكم! أنا لا أريد أن أعيش في هذا العالم البارد الذي لا يرى فيه أحدٌ إلا نفسه!" صرخت كوكي، صوتها يرتعش من الغضب والألم. نظر إليها والداها بدهشة، ثم عاد الأب إلى قسوته. "اصمتي! لا تتحدثي بهذه الطريقة معي!" "لماذا؟" ردت كوكي، "لأنكم لا تستطيعون تحمل الحقيقة؟ لأنكم تخافون من أن تروا كم أنتم قاسون؟" حاولت والدتها التدخل، "كوكي، اهدئي..." لكن كوكي لم تعد تسمع. كانت ترى في عيونهم فقط امتدادًا للألم الذي عاشته، امتدادًا للكلمات التي جرحتها.

"لقد سئمت منكم! سئمت من كلامكم، من نظراتكم، من هذه الحياة! لقد قررت شيئًا!" قالت كوكي، وعيناها تشتعلان بنيرانٍ لم تعرفها من قبل. "وما هو هذا الشيء؟" سأل والدها بسخرية، "ستذهبين إلى غرفتك وتبكين؟" "لا!" قالت كوكي، "سوف أنتقم! سوف أجعلكم تشعرون بما شعرت به! سوف أجعلكم تتذكرون كل كلمةٍ جرحتموني بها!" صمت الجميع، لم يتوقعوا هذه القوة، هذه الإرادة التي انفجرت من تلك الفتاة الهادئة. ابتسمت كوكي ابتسامةً باردة، ابتسامةٌ تحمل وعدًا بالانتقام. "من الآن فصاعدًا، لن تكونوا أنتم من يحكم حياتي. أنا من سأحكمها."

عادت كوكي إلى غرفتها، لكنها لم تعد الفتاة نفسها. لقد تحول الألم إلى غضب، والغضب إلى عزم. بدأت تفكر، تخطط، ترسم خططًا للانتقام. لم تعد تبحث عن الحب أو الحنان، لقد قررت أن تخلق عالمها الخاص، عالمًا تكون فيه هي القوة، هي الحاكم، هي من يملي القواعد.

في تلك الليلة، وبينما كانت عائلتها نائمة، كانت كوكي مستيقظة، عيناها مفتوحتان على الظلام، تتأمل مستقبلًا جديدًا، مستقبلًا نسجته من خيوط الانتقام. لم تعد تخاف من الوحوش، بل أصبحت هي الوحش الذي سيطارد أحلامهم. لم تعد تبحث عن مكانٍ في عائلتها، لقد قررت أن تخلق مكانًا لها، مكانًا حيث يكون الخوف هو سيد الموقف، وحيث تكون كلماتها هي السلاح.

استيقظت كوكي في صباح اليوم التالي، وشعرت بخفةٍ غريبة. لقد تخلصت من عبءٍ ثقيل، عبء الأمل الكاذب، عبء البحث عن القبول. لقد وجدت هدفًا جديدًا، هدفًا يغذي شغفها بالظلام، هدفًا يجعلها تشعر بالقوة.

"اليوم يبدأ كل شيء،" همست كوكي لنفسها، ابتسامةٌ غامضة تعلو شفتيها. "اليوم، سأبدأ بتحقيق وعدي." نظرت إلى ملصقات أفلام الرعب على جدرانها، وكأنها تستمد منها القوة. كانت تلك الكائنات المرعبة، التي كانت يومًا ما مصدر سحرها، ستصبح الآن مصدر إلهامها. لقد حان الوقت لتتحول من مشاهدة المعاناة إلى إحداثها، لتتحول من ضحية إلى جلاد.

في تلك اللحظة، لم تكن كوكي مجرد فتاةٍ وحيدة تحب أفلام الرعب، بل كانت محاربةً تستعد لمعركتها، معركةٌ لم تكن ضد الوحوش، بل ضد أولئك الذين كانوا أقرب الناس إليها، أولئك الذين حولوا حياتها إلى جحيم. وكانت تلك المعركة، كما تمنت، ستكون مأساةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

✦ ✦ ✦