Chapter 1
ذكريات الطفولة البريئة
تستعرض الصفحات الأولى براءة حنان وهيبه في قرية وادعة، حيث تتقاسم الأختان أحلامهما البسيطة وضحكاتهما الصافية. تبدأ القصة بتصوير الأجواء العائلية الدافئة، وتأسيس علاقتهما القوية قبل أن تعصف بهما أسرار الماضي.
في قريةٍ نسجت خيوطها من هدوء الأمس وعبق التراب، حيث تتناثر البيوت الطينية كاللآلئ على صدر الوادي، عاشت حنان وهيبه، أختان جمعتهما الأقدار على درب واحد، وباتتا كظلٍ واحدٍ يتبعه نور الشمس. كانت القرية، "الزيتون الأخضر"، اسماً على مسمى، تغمرها أشجار الزيتون العتيقة التي شهدت أجيالاً وأجيالاً، وارتسمت أغصانها في سماء صافية كوشومٍ على وجه الزمن. هنا، في هذا الدفء العائلي الممتد كبطانيةٍ صوفيةٍ في ليالي الشتاء الباردة، ترعرعت الفتاتان، نسجت حنان، الكبرى، خيوط أحلامها من خيوط الشمس المتسللة عبر نافذة غرفتهما، بينما كانت هيبه، الأصغر، تتبعها كفراشةٍ تبحث عن رحيق أجمل.
كانت غرفتهما الصغيرة، التي تشاركتاها منذ نعومة أظفارهما، عالمهما السري. الجدران البيضاء البسيطة، التي لطالما زينتها رسوماتهما الطفولية، تحمل أثر براءتهما، ورائحة الياسمين المتسلقة على النافذة كانت تعبق بعبق ذكرياتهما. كانتا تتشاركان كل شيء: الألعاب البسيطة المصنوعة من أغصان الشجر، الأحاديث التي لا تنتهي عن المستقبل، والضحكات التي كانت ترن كأجراسٍ صغيرةٍ في أرجاء البيت. كانت حنان، بفضولها الذي لا ينضب، تبحث دائماً عن سبب الأشياء، عن خبايا الأسرار، وعن القصص التي ترويها جدتهن عن نساء القرية القديمات. أما هيبه، فكانت تستمع بانبهار، تتخيل نفسها بطلةً لتلك الحكايات، أو ساحرةً قادرةً على تحقيق المستحيل.
في إحدى ليالي الصيف الدافئة، حين كانت النجوم تتلألأ كحبات ماسٍ منثورةٍ على وشاحٍ أسود، جلست الأختان على عتبة الباب، تراقب سكون القرية. كانت الأم، بيديها الحنونتين، تعد الشاي بالنعناع، وصوت والدها وهو يتحدث مع الجد في فناء الدار يصل إليهما كهمساتٍ دافئة. "حنان"، قالت هيبه بصوتٍ مشوبٍ بالفضول، "هل تعتقدين أن الأحلام تتحقق فعلاً؟" ابتسمت حنان، ونظرت إلى السماء المرصعة بالنجوم. "بالطبع يا هيبه. كل حلمٍ له طريقٌ خاصٌ به، علينا فقط أن نتبعه." "وما هو حلمكِ الكبير يا حنان؟" ترددت حنان للحظة، ثم قالت بصوتٍ مطمئن: "أن نكون دائماً هكذا، معاً، وأن نرى عائلتنا سعيدةً دائماً." عانقت هيبه أختها بقوة. "وأنا أريد ذلك أيضاً. أريد أن نكبر ونعرف كل أسرار العالم، وأن نكون أقوى من أي شيء."
كانت الأم، السيدة فاطمة، امرأةً تحمل في عينيها دفء الشمس وقوة الأرض. كانت تغمر بناتها بحبٍ لا متناهٍ، وتعمل بجدٍ لتوفير كل ما يحتجنه. كانت تعرف أن الحياة ليست دائماً سهلة، وأن هناك أعباءً لا يمكن للجميع رؤيتها، لكنها كانت تحاول جاهدةً أن تحافظ على تماسك العائلة، وأن تبني حولهن جداراً من الأمان. أحياناً، كانت حنان تلاحظ تنهيدةً خافتةً تصدر من والدتها، أو نظرةً حزينةً تخالج عينيها حين تتحدث عن الماضي، لكنها كانت تتجاهل الأمر، معتقدةً أنه مجرد تعبٍ من العمل.
أما الجد، السيد أحمد، فكان صامتاً، حكيماً، يحمل في تجاعيد وجهه حكاياتٍ لا تُحصى. كان يجلس غالباً في ركنٍ من فناء الدار، يتأمل أشجار الزيتون، ويتحدث مع نفسه بصوتٍ خافت. كان له نظرةٌ غامضة، كأنما يرى ما لا يراه الآخرون. كانت حنان تشعر بانجذابٍ غريبٍ نحوه، كانت تحب الجلوس بجانبه، تستمع إلى قصصه الغامضة، رغم أنها لم تفهم دائماً ما كان يقول. كانت تشعر أن لديه شيئاً مهماً ليقوله، سراً عظيماً يخبئه.
في أحد الأيام، وبينما كانت حنان تساعد والدتها في ترتيب غرفة الجد القديمة، عثرت على صندوقٍ خشبيٍ صغيرٍ مختبئٍ تحت كومةٍ من الأقمشة البالية. كان الصندوق مزخرفاً بنقوشٍ قديمة، ويبدو أنه لم يُفتح منذ زمنٍ طويل. انتابها فضولٌ لا يقاوم، وبقلبٍ يخفق بشدة، فتحت الصندوق. بداخلة، وجدت مجموعةً من الرسائل القديمة، وصورةً باهتةً لامرأةٍ شابةٍ لم تعرفها من قبل، ووشاحاً حريرياً مزخرفاً.
شعرت حنان ببرودةٍ تسري في عروقها. لم تكن تعرف لماذا، لكن شيئاً في تلك الرسائل، وفي وجه المرأة في الصورة، أثار قلقها. بدأت تتصفح الرسائل، ورغم أن الخط كان باهتاً، إلا أنها استطاعت قراءة بعض الكلمات المبعثرة: "سر... عار... سمعة... لا تفضحينا..." شعرت حنان بغصةٍ في حلقها. كانت هذه الكلمات غريبة، ومخيفة. هل كان هذا السر يتعلق بعائلتها؟ هل كان يهدد سمعة والدتها، أو حتى سمعتها هي وهيبه؟ أغلقت الصندوق بسرعة، وأعادت وضعه مكانه، لكن الصورة والكلمات المبعثرة ظلت عالقةً في ذهنها. شعرت بثقلٍ جديدٍ يلقى على كتفيها، ثقلٌ لم تكن تعرف مصدره، لكنها شعرت بأنه يخصها وحدها.
عادت حنان إلى غرفتها، وقلبها لا يزال يخفق بقوة. نظرت إلى هيبه التي كانت ترسم على دفترها، وتبتسم. شعرت الرغبة في أن تخبر أختها بكل شيء، لكنها ترددت. كيف يمكنها أن تخبر هيبه بشيءٍ كهذا، وهي تعلم أن هيبه لا تحب المفاجآت، وأنها تخشى دائماً ما هو غير متوقع؟ "ماذا بكِ يا حنان؟" سألت هيبه، لاحظت التغيير في وجه أختها. "تبدين شاحبةً." ابتسمت حنان ابتسامةً باهتة. "لا شيء يا هيبه. مجرد تعبٍ قليل." لكن هيبه لم تقتنع تماماً. رأت في عيني حنان شيئاً جديداً، شيئاً غريباً. كان هناك بريقٌ من القلق، وربما من الخوف، لم تره من قبل.
في الأيام التالية، بدأت حنان تشعر بأنها منفصلةً عن عالمها. كانت تقضي وقتاً طويلاً في التفكير، وفي البحث عن إجاباتٍ لتلك الأسئلة التي أثارتها الرسائل. كانت تبحث في