Chapter 3
الحسين في عهد جده ووالده
نتناول دور الإمام الحسين المبكر في حياة جده النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم في عهد خلافة والده الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. نبرز مشاركته في الأحداث الهامة ودفاعه عن الحق.
في ربيع العمر، حين كانت نسمات النبوة تلفّ أرجاء المدينة، وبيت علي وفاطمة يفيض نورًا وبركة، ولد الحسين. لم يكن ميلادًا عاديًا، بل كان ميلادًا لنورٍ سيضيء دروب الحق لأجيالٍ وأجيال. حملت السيدة الزهراء طفلها الحبيب إلى جدّه المصطفى، فاحتضنه النبيّ وقبّله، ثمّ دعا له دعواتٍ فاضت بالحبّ والبركة. "هذا مني وأنا منه، أحبّ الله من أحبّ حسينًا، حسينٌ سبطٌ من الأسباط"، هكذا قال رسول الله، فكانت كلماتٌ حملت بشائر عظيمة، ورسمت ملامح مستقبلٍ لن ينساه التاريخ.
كبر الحسين في كنف جده، يستقي من معين الوحي، ويتغذى من أخلاق النبوة. كان النبيّ يحمله على كتفيه، ويمشي به بين الناس، وهو يقول: "من أحبّني فليحبّ هذين"، مشيرًا إلى الحسن والحسين. كانت هذه التربية الفريدة، في بيتٍ هو بيت الرسالة، ومع أبٍ هو باب مدينة العلم، وأمٍّ هي سيدة نساء العالمين، كفيلة بأن تصنع من الحسين شخصيةً فريدة، تجمع بين الشجاعة والورع، وبين الحكمة والبطولة.
وعندما انتقل النبيّ إلى الرفيق الأعلى، بقي الحسين في كنف والده الإمام علي. في عهد خلافة الإمام علي، كان الحسين شاهدًا على أحداثٍ مفصلية في تاريخ المسلمين. لم يكن مجرد مشاهد، بل كان مشاركًا فاعلًا، مدافعًا عن الحق، ومساندًا لوالده. في معركة الجمل، وقف الحسين إلى جانب والده، يقاتل ببسالةٍ وشجاعة، مدافعًا عن شرعية خلافة الإمام علي. وفي موقعة صفين، كان له دورٌ بارزٌ في حثّ المسلمين على الثبات، وتذكيرهم بحقوقهم وواجباتهم.
كان الإمام علي يرى في ابنه الحسين معدنًا أصيلًا، ونورًا متوهجًا. كان يثق به، ويعتمد عليه في المواقف الصعبة. في إحدى المرات، عندما اشتدّ البلاء على والده، وكان الإمام علي يتحدث إلى الناس، دخل الحسين إليه. نظر إليه الإمام علي نظرةً عميقة، ثمّ قال: "يا بني، إنّما الدنيا دار ترحال، وليست بدار قرار. انظر بعينك، وعِش بقلبك، واعلم أنّ الحقّ لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحقّ. وإنّك إنّما ستحيا بقلبك، وتموت ببدنك، وتُبعث بعملك". كانت كلماتٌ تحمل في طياتها الكثير من المعاني، وتنبئ بمستقبلٍ حافلٍ بالتحديات.
في إحدى الأمسيات الهادئة، بينما كان الإمام علي يتأمل النجوم، جلس الحسين بجانبه. سأل الحسين والده: "يا أبت، ما بال الناس يختلفون في الحق؟ وما بال بعضهم يتبع الباطل؟" أجاب الإمام علي بابتسامةٍ حزينة: "يا بني، إنّ القلوب إذا امتلأت بالدنيا، أظلمت عن الحقّ. وإنّ الباطل قد يزين في أعين الناس، فيظنّونه حقًا. ولكنّك يا بني، متى ما رأيت الحقّ واضحًا، فامضه، ولو كان مرًا. ومتى ما رأيت الباطل ظاهرًا، فاجتنبه، ولو كان حلوًا. إنّ الله يحبّ من يطلب الحقّ، ويكره من يتبع الباطل".
كان الإمام علي يدرك جيدًا ما ينتظر ولده الحسين. كان يرى فيه الشعلة التي ستضيء دروب الأمة المظلمة، والمنارة التي سترشد الضالين. في إحدى المرات، قال له: "يا حسين، إنّ الله اختارك، وخصّك، وجعلك نورًا للأمة. ستواجه أيامًا عصيبة، ستُبتلى فيها، ولكنّك ستظلّ ثابتًا على الحقّ، لا تتزعزع. تذكّر دائمًا أنّ الله معك، وأنّ الحقّ معك، وأنّ النصر للمؤمنين".
كانت هذه التربية، وهذا الإرث العظيم، هي الأساس الذي قام عليه موقف الحسين فيما بعد. فقد نشأ على حبّ الحقّ، والدفاع عنه، مهما كانت التضحيات. رأى في جده النبيّ قدوةً في الشجاعة والصبر، ورأى في والده الإمام علي مثالًا في العدل والثبات. لم يكن الحسين مجرد وريثٍ لمنصبٍ أو جاه، بل كان وريثًا لقيمٍ ومبادئ، حملها على عاتقه، وسار بها في دروب الحياة، ليترك بصمةً خالدةً في تاريخ الإنسانية.
كانت معركة صفين شاهدةً على شجاعة الحسين. عندما اشتدّ القتال، ووقعت الفتنة بين المسلمين، وقف الحسين ثابتًا، يدافع عن راية الحق. كان يرى في والده الإمام علي الحقّ، وفي معاوية الباطل. ولم يرضَ بأن يُخدع المسلمون، أو أن يُضلّوا عن الحقّ.
في أحد الأيام، وبعد انتهاء معركةٍ ضروس، وبينما كان الإمام علي يتفقد الجرحى، جلس الحسين بجانبه، وقد غطى الغبار وجهه، وثيابه ملطخة بالدماء. نظر إليه الإمام علي وقال: "يا بني، رأيتك اليوم كالأسد الهصور، تضرب بسيف الحقّ، وتدافع عن دين جدّك. إنّ الشجاعة ليست في قوة السيف، بل في قوة القلب، وثبات المبدأ". ابتسم الحسين وقال: "يا أبت، إنّما أفعل ذلك حبًا لله، وطاعةً لك، ودفاعًا عن الحقّ الذي أنتم عليه".
كان الإمام علي يرى في الحسين صورةً مصغرةً له، ومرآةً تعكس مبادئه. كان يعلم أنّ الحسين سيحمل رسالة الحقّ، وسيثبت على المبدأ، حتى لو اقتضى ذلك التضحية بالنفس والنفيس.
وبعد أن استشهد الإمام علي، تولى أخوه الحسن الخلافة. وفي ظلّ الظروف الصعبة التي مرت بها الأمة، اضطر الإمام الحسن إلى عقد الصلح مع معاوية. كان الحسين حاضرًا، وشاهدًا على هذه الأحداث. ورغم أنّه لم يكن راضيًا عن الصلح، إلا أنّه أدرك حكمة أخيه، ورأى في موقفه حفظًا لدماء المسلمين.
في إحدى المرات، سأل الحسين أخاه الحسن: "يا أخي، لماذا قبلت الصلح؟ ألم يكن في ذلك إعطاءٌ للباطل؟" أجاب الإمام الحسن: "يا أخي، إنّ الله قد ابتلى أمتنا، وجعلنا نرى فيهم ما لا نحبّ. ولكنّي رأيت أنّ الصلح خيرٌ لنا في هذه الظروف، وأنّ فيه حفظًا لدماء المسلمين. إنّ الحقّ لا يموت، وإنّما قد يتأخر ظهوره. وسيبقى الحسين، ومن بعده، هم أمل الأمة في استعادة الحقّ".
كانت هذه الكلمات بمثابة وصيةٍ للحسين، وتذكيرٍ له بدوره المستقبلي. فقد أدرك الحسين أنّ مهمته لم تنتهِ، وأنّ الأمة بحاجةٍ إلى من يدافع عن مبادئها، ويصون كرامتها.
وهكذا، نشأ الإمام الحسين في بيت النبوة، وترعرع في رحاب الوحي. رأى بأمّ عينيه كيف كان جده وأبوه وأخوه يدافعون عن الحقّ، ويواجهون الظلم. تعلم منهم الصبر والثبات، والشجاعة والتضحية. كانت حياته في هذه الفترة بمثابة تدريبٍ له على ما سيواجهه في المستقبل. لم يكن يعلم حينها حجم التضحية التي سيقدمها، ولكنّه كان مستعدًا، ومؤمنًا بأنّ الحقّ لا بدّ أن ينتصر، وأنّ التضحية في سبيله هي أسمى الغايات.
وفي ختام هذا الفصل، يبقى الإمام الحسين واقفًا، متأملًا، وفي قلبه عزمٌ لا يلين. لقد شهد على أحداثٍ شكلت وعيه، ورسمت مساره. لقد رأى كيف يمكن للحقّ أن يُظلم، وكيف يمكن للباطل أن ينتصر مؤقتًا. ولكنّه تعلم أيضًا أنّ الحقّ باقٍ، وأنّ التضحية في سبيله هي ما يجعل الإنسان خالدًا. كانت سنوات نشأته في كنف جده ووالده وأخيه، هي المدرسة التي أعدته لمواجهة أعظم امتحانٍ في تاريخ الإنسانية.