by Unknown author
Story overview
على حافة السطح
16
0
6
published
فيه أشياء ما تبدأ من باب، تبدأ من فوق. من مكان عالي تراقب منه الدنيا… وتنسى إنك أنتِ بعد جزء منه.
Table of contents
- 2/23/2026
Ch. 1: فوق السطح...... وبداية الغلط
السطح كان ملجأي. مو مكان رومنسي ولا شي… بس المكان الوحيد اللي أحس فيه إنّي أقدر أتنفس بدون ما أحد يسألني: “وش فيك؟” لأن السؤال بحد ذاته كان يضغطني. سطح بيتنا قديم، جدرانه خشنة، وفيه بقع من مطر سنين راحت. لمبة صفراء تشتغل إذا تذكّرت أمي، وتطفي إذا نسيت. وحبل غسيل على طرفه… كل ما هبت نسمة، صارت الثياب تتحرك كأنها تلوّح لناس ما يعرفونا. كنت أطلع قبل المغرب دايم. قبل الأذان بدقايق، الحي الشعبي يصير له طعم ثاني. الناس تصير تركض ببطء، وكأن كل واحد مستعجل بس ما يبي يبين. ريحة الطبخ تتجمع فوق بعض: بصل محمّر، دجاج، سمبوسة، وخبز حار يطلع من فرن بيت الجيران. وأصوات الأطفال تحت… تصير مثل موسيقى فوضوية، بس مألوفة. أنا كنت واقفة عند السور، أطالع الشارع. مو أطالع الغروب. أطالع “المرور”. كنت أدري إنّي قاعدة أستنى أحد… بس كنت أنكر. أقول: “بس أبي أتأكد إن الجو زين.” وأضحك بيني وبين نفسي، لأن الجو ما يحتاج تأكيد… اللي يحتاج تأكيد هو قلبي. طلع من آخر الشارع. كان يمشي كأنه ما فيه شي يقدر يوقفه. مو لأنه متكبر… لا. بس لأنه واثق، طبيعي، هادي. كأنه إنسان ما يحمل هم إن أحد يشوفه أو ما يشوفه. وقتها… حسّيت إن صدري ضاق، وبنفس الوقت انفتح. غريب شلون الشي الواحد يسوي الاثنين. قلت لنفسي: “عادي… ولد من الحي.” بس قلبي كان يرد: “مو عادي… مو لك.” هو ما رفع رأسه. ما طالع فوق. ما حس إن فيه بنت على سطح بيتها، تتعلم كيف الحب يجي بدون إذن. ومن هاللحظة… بدأت أنا أتغير. ما صار شيء واضح. ولا صار لقاء. ولا حتى “السلام”. بس صار داخلي شي يشبه الوعد… وأنا ما أحد وعدني. جاني صوت أمي من تحت، وفيه نبرة تعب وحنان: “تعالي يا بنت… حطي التمر.” قلت بسرعة: “الحين يمّه.” بس رجولي ما تحركت. بقيت شوي زيادة… كأني لو نزلت، بخليه يختفي من حياتي. وانا واقفة، جاني سؤال يلسع: “وش فيك؟” “ليش تحسين كذا؟” “من متى نظرة من بعيد تسوي لك هالدوخة؟” رديت على نفسي بعناد: “يمكن بس فضول.” بس أنا أعرف الفضول… ما يخليك تبلع ريقك بصعوبة. الأذان قطع كل شي. “الله أكبر…” وقتها، قفلت عيوني لحظة. مو عشان الخشوع بس. عشان أخبي ارتباكي من نفسي. وبين “الله أكبر” و”أشهد أن لا إله إلا الله”… كنت أنا أشهد إن قلبي انحط في مكان غلط. نزلت الدرج وأنا أحاول أتصرف طبيعي. بس اللي يحب، يمشي وهو مفضوح حتى لو ما تكلم. دخلت المطبخ. أمي تحرك الشوربة وتقول: “ها… وش مسوية فوق؟” قلت: “ولا شي… بس هوا.” أمي طالعّتني بنظرة تعرف أكثر مما تقول، وسكتت. يمكن لأنها تحس، ويمكن لأنها ما تبي تفتح علي باب. جلست على السفرة. أبوي يقرأ دعاء الإفطار، وإخواني يتضاربون على عصير. وأنا… أنا كنت قاعدة جسمي هنا، بس روحي هناك في الشارع. في خطواته. في هدوئه. في الشي اللي ما اعترف فيه. وبعد الإفطار، وأنا أغسل يدي، رحت على غرفتي. فتحت الدفتر القديم اللي ما أكتبه فيه إلا إذا ضاقت. وكتبت أول جملة كأنها اعتراف لنفسي، مو له: “اليوم شفته… ومن يومها وأنا مو مثل قبل.” ثم كتبت بيتين… بدون ما أفكر، وبنفس القافية اللي تمسك فيني لين اليوم: يا ليت قلبي لا تعلّق في غلاك ولا حسب طيفك وعد وسط الهلاك أنا ما طلبت إلا هدوءٍ من رضاك بس الرضا ما يِنشَرى لو كان فاك قفلت الدفتر بسرعة… كأني سويت جريمة. مو لأن الأبيات غلط. بس لأنها صارت دليل. ومن ذاك اليوم… صرت أطلع السطح أكثر. مو عشان الهوا. عشان أتأكد إن اللي بداخلي صدق… مو وهم. وبالليل، يوم نام الحي وصار صوته أخف، كنت أسمع نفسي بوضوح. وأنا صوتي يقول: “لا تقربين.” وقلبي يقول: “بس مرة… بس أشوفه.” وإذا الحب بدأ من فوق سطح… فالغالب إنه بيصير مثل السطح: عالي… بس خطر.
- 2/23/2026
Ch. 2: نفس الفصل........ بس مو نفس العالم
بعد كم يوم من “سطح قبل المغرب”، رجعت المدرسة وكأني رايحة لمكان جديد. مو لأن المدرسة تغيّرت… أنا اللي تغيّرت. الممرات نفس الريحة: مطهر قوي، وعرق تعب، ودفاتر جديدة. البنات نفس الضحك العالي، ونفس الهمسات اللي تنقلب شائعات بسرعة. بس أنا صرت أمشي وأنا أحس إن قلبي يمشي قدّامي بخطوتين. دخلت فصلي، وجلست مكاني. كنت أحاول أكون طبيعية… أضحك، أسولف، أسأل عن الواجب. بس عيني كل شوي تروح لباب الفصل، بدون ما أحس. مدرّستنا دخلت وقالت بنبرة حازمة: “اليوم عندنا تغيير… بنضم طالب من فصل ثاني معنا في بعض الحصص.” البنات تحركوا، وفيه اللي استغرب، وفيه اللي قالوا: “ليش؟” وأنا… أنا قلبي ضرب ضربة قوية كأن أحد قال اسمه. فتح الباب… ودخل. هو. نفس المشية. نفس الهدوء اللي يصدّع الراس. بس هالمرة مو تحت في الشارع… هالمرة داخل عالمي. أنا تجمّدت. حسّيت حرارتي ترتفع، ويدي صارت باردة. قلت لنفسي: “يا ساتر… ليش؟” كأن السطح دعا عليه ودخلته فصلي. المدرسة قالت له: “اقعد هناك.” وقعد… قريب، مو مرّة قريب، بس قريب يكفي إنّي أسمع حركة قلمه. قلم يكتب بثقة… كأنه ما فيه بنت حوله قاعدة تتلخبط. مرّ أسبوع. أسبوع وأنا أتعلم أسوي نفسي ما أشوف. بس كيف تسوين نفسك ما تشوفين شي انتي أساسًا طالعة السطح عشان تشوفينه؟ صرت “أقرب” بطريقة ما تبين. إذا المدرّسة قالت: “شغل جماعي”، أحاول أكون في نفس المجموعة… بس ما أصير ثقيلة. إذا سألت سؤال في الدرس، أختار سؤال أعرف إنه هو يعرف جوابه… يمكن يرد، يمكن يلتفت. وبعض الأيام… يلتفت. بس يلتفت للجواب، مو لي. مرة، البنات كانوا يضحكون على سالفة سخيفة، وأنا قلت شي يضحك صدق… بدون ما أقصد. سمعت ضحكته. مو ضحكة عالية، بس نفس اللي يطلع منك إذا شيء لمس مزاجك غصب. التفتّ… شفته مبتسم. وقتها قلبي قال: “شفتي؟” بس عقلي رد: “ابتسم للسالفة… لا تكبرينها.” أنا كنت أعيش بين “لا تكبرينها” و”كبرتها من زمان”. وبعدين… بدأت ألاحظ شي. شي بسيط بالبداية… بس مع الوقت صار واضح مثل الشمس. هو… كان ينتبه لبنت ثانية. مو بالتصرفات الكبيرة. بس بالأشياء اللي ما تنشاف إلا للي قلبها صاحي زيادة. نظرة تطول شوي. سؤال عنها بصوت واطي. اهتمام صغير إذا غابت. ومرّة… مرّة شفته يرفع الجوال بسرعة إذا مرت من قدامه، كأنه كان يستنى إشعار. وقتها حسّيت زي اللي انسكب عليه موية باردة. مو لأنّي كنت متأكدة إنه يحبني… بس لأنّي كنت متوهمة إن عندي “فرصة”. رجعت البيت ذاك اليوم، وطلعت السطح بعد المغرب. ما كنت أبي أشوفه. كنت أبي أشوف نفسي. وقفت عند السور، وقلت بصوت ما يسمعه إلا الله: “يا رب… إذا هذا مو لي، طلعَه من قلبي.” بس الدعاء ما كان بسيط. لأن فيه جزء مني كان يضيف بصمت: “أو خلّه يلتفت.” وعشان لا أبكي، كتبت أبيات على نفس القافية، قافية “ك”، كأنها تمسح على راسي وتوبخني بنفس الوقت: أنا ما أبي غير السلامة من هواك بس الهوا يا كثر ما جاب الهلاك أضحك وأنا أدري ضحكتي في سماك وأبكي وأنا أدري بكاياي ما فاك قلبي تعلّم يبتسم لو ما عطاك والنفس تتعب… كل ما قالت: حداك ثم سكت. لأنّي أنا كنت أعرف: القصّة مو بس “هو ما يحبني”. القصّة إنّي أنا قاعده أحبّه وحدي… وأصرّ أعطي هالحب معنى. أيام بعدها، طلع الكلام بين البنات: “فلانة خلاص انفصلت عنه.” “قالوا صار بينهم شي وتفرقوا.” “أهلها شدّوا عليها.” أنا سمعت… وشي فيني انشرح لحظة. انشرح اني قلت: “يمكن…” وبعدها كرهت نفسي. لأنّي فرحت بفراق ناس… عشان احتمال يجي لي. وهذا مو أنا. أو يمكن… صار أنا، من كثر ما تعبت. والغريب؟ حتى بعد ما انفصل عنها… ما صار قريب مني. كان مثل اللي فقد شي… وصار أهدى. أقل كلام. أكثر صمت. وأنا كنت أشوف الصمت وأحسبه “فرصة”. وهو يمكن كان بس وجع. حاولت مرّة أخيرة. مو حبًّا في الإلحاح… حبًّا في إني أبي أعرف الحقيقة وأرتاح. في حصة، بعد ما خلصت المدرّسة وطلعوا الكل، بقيت شوي. قلت له وأنا ماسكة كتابي: “ممكن… تساعدني في هالسؤال؟” رفع عينه بهدوء وقال: “اي.” شرح… بأدب. وببساطة. وبمسافة. قال آخر شي: “واضح الحين؟” قلت: “واضح… شكراً.” كنت أبي أقول: “مو بس السؤال اللي مو واضح… انت مو واضح.” بس ما قلت. طلع. وبقيت أنا في الفصل لحالي، أحس إني أحاول ألمس هوا. ومن ذاك اليوم… بدأت مرحلة ثانية فيني. مرحلة “التعلّق اللي يصير عادة”. العادة أخطر من الحب. لأن الحب ممكن ينكسر… بس العادة تظل تمسكك حتى بعد ما تفهمين.
- 2/23/2026
Ch. 3: كلما قربت...... زادت المسافة
أنا ما كنت أبي أخليه يحس إني ألحقه. كنت أخاف على كرامتي أكثر من خوفي على قلبي. بس قلبي… كان يفضحني بطريقة أنظف من الفضيحة، بس أقسى. صرت أعرف جدول حصصه بدون ما أقصد. أعرف متى يطلع للممر، ومتى يوقف عند الدرج، ومتى يمشي عند السور الكبير اللي يطل على فناء المدرسة. وأنا أقول لنفسي: “صدفة.” بس الصدفة إذا تكررت… تصير اختيار. في الفسحة، كنت أوقف مع البنات قريب من المكان اللي يمر منه. مو قريب لدرجة واضحة… بس قريب يكفي. أضحك، وأتكلم بصوت أعلى شوي، أحاول أخلي ضحكتي “توصل”. كأن الضحكة رسالة. بس هو كان يمر… ولا شي. مو لأنّه قاسي. بس لأنّه ما يلتفت للي ما يعني له. مرة، كنت ماشية في الممر، وهو قدّامي. كنت أبي أقول “السلام”. الكلمة كانت على طرف لساني. بس ترددت. لأنّي تذكرت إن السلام إذا ما رجعته العين قبل اللسان… يوجع. مرّت لحظة، والتفت شوي كأنه حسّ بوجودي. قلت في نفسي: “الحين.” قلت: “السلام…” رد: “وعليكم السلام.” وكمل. ولا حتى وقف. ردّ السلام… بس ما ردّ قلبي. رجعت الفصل وجلست، ويدي ترتجف. مو من الخوف منه… من خوفي إني قاعدة أبالغ. من خوفي إني أصير بنت “تلاحق”. وأنا ما أبي أكون هالصورة. أنا أبي أحد يجي لي… مو أنا أروح له. بس وش تسوين إذا اللي تبيه ما يدري إنك تبينه؟ ولا حتى يدري إنك موجودة كـ”إحساس”؟ بدأت أحاول بطريقة ثانية… طريقة أخف. أصير “نسخة أحسن” قدامه. أرتب نفسي زيادة. أهتم بكلامي. أشارك في الفصل. أحاول أبين إني ذكية… مو بس بنت “تطالع”. كنت أقول: يمكن إذا شافني “مختلفة”، يلتفت. بس الحقيقة؟ أنا كنت مختلفة أصلًا. وهو ما كان يحتاج دليل… كان يحتاج شعور. والشعور ما يجي بالغصب. في يوم، المدرّسة طلبت منّي أقرأ فقرة. قرأت، وصوتي كان ثابت. بس داخلي يتمنى نظرة إعجاب. تمنى أي شي يقول: “أنا شايفك.” خلصت. رفعت عيني بشكل سريع. كان طالع بعيد… كأنه يفكر في شي ثاني. ولا كأنه سمعني. وقتها حسّيت بوجع صغير… بس ثابت. مو وجع انفجار. وجع نقطة تنقط داخل القلب كل يوم. رجعت البيت. وطلعت السطح بعد العشاء. الحي هادي، بس مو هدوء راحة… هدوء تعب. قعدت على الأرض، وظهري على الجدار، وقلت: “أنا ليش قاعدة أستنى؟” كتبت أبيات جديدة… نفس القافية “ك”. أبيات كأنها تعلّقني وتفكني بنفس الوقت: أقرب لك… وتكبر بيننا الأشواك وأبعد… وألقى طيفك يركض وراك أنا مو ضعيفة… بس ضعفي في هواك يا كثر ما قلت: انتبهي… ما انتبهت فاك تعبت أدوّر لي مكانٍ في سماك وأنت سماك لغيري… وأنا تحت الهلاك وأنا أكتب، سمعت صوت أمي تناديني من تحت: “لا تطولين فوق… برد.” قلت: “دقيقة.” بس الدقيقة صارت ساعة. لأن فوق السطح، الوقت ما يقاس بالساعات… يقاس بالانتظار. أيام المدرسة تمشي. وهو يمشي داخلها كأنه ما يدري إن فيه بنت تذوب. كان محترم. ما آذاني بكلمة. وهالشي كان يخلي جرحه أنظف… بس أعمق. وبعدين… صار موقف خلاني أفهم شي واضح. كان فيه بنت في الفصل انكسرت قلمها، وتضايقت. هو سمع، وبدون ما أحد يطلب منه، مدّ لها قلم احتياط كان معه وقال: “خذي.” بنبرة بسيطة… بس فيها “مبادرة”. أنا طول الوقت كنت أستنى منه مبادرة… حتى لو صغيرة. بس المبادرة راحت لغيري. مو لأنها أحسن مني. بس لأنها كانت “طبيعية” في عينه… وأنا صرت “هواء”. وقتها عرفت إنّي قاعدة أحارب معركة من طرف واحد. والمعركة من طرف واحد… تخسرك نفسك قبل لا تخسر الشخص. بس رغم كل هالفهم… ما وقفت. وهذي مصيبتي. لأن الحب إذا دخل على “العناد”، يصير مثل الدوخة. تدرين إنك بتطيحين… بس تكملين تمشين
- 2/23/2026
Ch. 4: يوم اختفى من المشهد...... وبقى فيني
مرّت سنتين. سنتين وأنا أحاول أقنع نفسي إن اللي فيني “مراهقة وبتروح”. بس بعض المشاعر ما تروح لأنها مراهقة… تروح لأنها لقت نهاية. وأنا… ما لقيت نهاية. هو كمل دراسته وطلع. تخرج قبلي. وأنا بقيت… في نفس المدرسة، نفس الممر، نفس الطاولات، بس بدون حضوره. الغياب فجأة يصير صوت. صوت أعلى من وجوده. أول يوم من السنة الجديدة، دخلت المدرسة وأنا أتلفّت غصب. مو أدور أحد… أدور “عادة”. أدور المشهد اللي كنت أعلّق عليه يومي: مروره، وقفته، ردّ سلامه البارد. حتى البرود كنت أشتاق له. وقفت في الطابور. الشمس على وجيه البنات. المديرة تتكلم عن الانضباط، وعن “المستقبل”. وأنا مستقبلّي كان موقف على باب المدرسة… ينتظر واحد ما بيجي. رجعت الفصل وجلست. بنت جنبي قالت: “سمعتي؟ دفعة فلان تخرجوا خلاص.” رديت: “اي.” كلمة “اي” طلعت مني مثل الحجر. لأني كنت أبغى أقول: “اي… وقلبي بعد تخرج من صدري وراح معه.” صرت أشوف أماكنه بدون ما أشوفه. زاوية الممر اللي كان يوقف فيها. السور اللي كان يمشي جنبه. حتى صوت جرس الفسحة… صار يذكرني بنفسي القديمة اللي كانت تتحرك على أمل “صدفة”. والمشكلة مو إنه راح. المشكلة إنه راح بدون خاتمة. بدون موقف أخير أقول فيه: “خلاص.” بدون كلمة “وداع”. راح كأنه ما كان موجود. بس أنا كنت شاهدة على وجوده… لحالي. في الحي بعد، صار أقل. يمكن لأنه صار يدرس/يشتغل برا. يمكن لأن وقته تغيّر. وأنا… أنا بقيت أطلع السطح، بس مو عشان أشوفه يمر. أطلع عشان أتأكد إنه ما يمر. والله إن الشعور غريب… إنك تستنى الغياب عشان تتأكد إنه حقيقي. كنت أقعد على السطح قبل المغرب. نفس أصوات الحي، نفس ريحة الطبخ، نفس الدعاء. بس داخلي تغيّر. صار فيه ضيقة ما تتفسر. ضيقة مو غيرة ولا خوف… ضيقة شوق. الشوق يوم ما يلقى قدّامه شخص، يلتفت عليك أنت. يصير يسألك: “طيب وش بتسوين الحين؟” وش بتسوين لما الشخص اللي علّقتي عليه كل شي… صار برا المشهد؟ أنا حاولت أكون “عاقلة”. قلت: “أنسي.” الناس يقولونها بسهولة… كأن النسيان زر. حاولت أشغل نفسي بالدراسة. بالمذاكرة، بالدرجات. قلت: “أنا لازم أنجح.” بس حتى النجاح كنت أبيه عشان… يمكن يسمع، يمكن يشوف، يمكن يقول: “ما شاء الله.” وحتى وهو غايب… كنت أسوي أشياء كأنها توصله. يا كثر ما نتعب عشان ناس ما يدرون. ومع الوقت… صار داخلي يصير شي أخطر من الحب. صار “تعلّق بصورة”. مو هو الحقيقي. أنا ما أعرفه بالحقيقة. أنا أعرفه بالصمت. والصمت يسمح لك تتخيلين اللي تبينه. وهنا تبدأ المصيبة. صرت أجمع أخباره من غير ما أحس. مو تجسس، ولا تتبع. بس أي كلمة تمر: “شفتي فلان؟” “فلان صار يداوم” “فلان انشغل”. وأنا أسمع، وأقول “الله يوفقه” مثل الناس. بس داخلي ينهار ويقوم مع كل خبر. لين جاء يوم… قالت أمي وأنا أساعدها بالمطبخ: “ترى ولد الجيران… كبر، ما شاء الله، يقولون بيشوف له طريق.” قلت: “زين.” وأنا أقطع البصل وأحس البصل مو اللي يدمّعني. وبالليل، طلعت السطح. السماء كانت صافية. والقمر واضح. وأنا أول مرة أحس إني صغيرة مرّة قدام الدنيا. كتبت أبيات، نفس القافية “ك”. أبيات عن الغياب اللي ما يرحم: يا غايبٍ عن عيني… وحاضرٍ في سماك يا كثر ما شفت غيرك… ولا لقيت إلاك كنت أحسب البعد ينهي… والبعد زاد اشتياك والقلب لا قال يكفي… يرجع يقول: هلاّك ما عاد في المدرسة ظلٍّ يدلّني لخطاك حتى الممرات تبكي… كل ما مرّ طاريك ثم وقفت عن الكتابة. لأنّي حسّيت لأول مرة إن السؤال الحقيقي مو “وش أسوي عشان يرجع؟” السؤال: “وش أسوي عشان أنا أرجع لي؟” ووقتها… سويت شي بسيط، بس كان صعب: قررت إني ما أستنى مرور. قررت إني أستنى نفسي. نزلت من السطح. دخلت غرفتي. فتحت الدفتر… وكتبت عنوان صفحة جديدة: “وش بقى مني غير الانتظار؟” وكتبت تحته: “إذا ما شفته… هل أنا أقدر أعيش؟” كان سؤال يخوف. بس كان لازم ينكتب. ومن هنا تبدأ المرحلة اللي بعدها… مرحلة إن الشوق يزيد، وتبغين تسوين شي… أي شي… حتى لو يجرحك.
- 2/23/2026
Ch. 5: الصدفة اللي رجعتني النقطة الصفر
ما أدري ليه بعض الصدف تجي في وقت أنتِ أصلًا متماسكة فيه بالعافية. كأن الدنيا تقول: “خلّيني أشوفك… بتطيحين ولا بتثبتين؟” كان يوم عادي. حر خفيف، وغبار بسيط على الجو، والحي الشعبي زحمة أصوات حتى وهو هادي. أمي قالت: “روحي جيبي لنا كم شغلة من البقالة، وبنمر على الدكان اللي عند آخر الشارع.” قلت: “طيب.” وبس. لبست عبايتي، وحطيت شعري بسرعة، وطلعت بدون ما أفكر. أنا ما كنت أحسب إن فيه “شي” ينتظرني. كنت أحسبه يوم… وبس. أول ما قربت من آخر الشارع، سمعت صوت ضحكة رجال. ضحكة مألوفة بس بعيدة. وقفت لحظة، وقلبي قال: “لا.” وعقلي قال: “يمكن مو هو.” بس قلبي… كان يعرف قبل ما عيوني تثبت. شفته. واقف عند الدكان، يسولف مع واحد. صار أطول. صارت ملامحه أثبت. بس نفس الهدوء… نفس الحضور اللي يعبي المكان حتى لو ما قال شي. أنا تجمّدت. مو لأنّي ما توقعت. لأنّي كنت متخيلة إني “نسيت شوي”. والحين اكتشفت إنّي كنت بس “أجلت”. حاولت أكمل مشيي كأني طبيعية. قلت: “امشي… لا تفضحين نفسك.” بس خطواتي صارت ثقيلة، كأن الأرض تمسك رجلي. مرّيت من جنبه. هو التفت. التفت نفس الالتفاتة اللي كنت أعيش عليها زمان. وقال بكل بساطة: “السلام.” ردّيت بسرعة، بصوت طلع أعلى من اللي أبيه: “وعليكم السلام…” وقف ثانية يناظرني نظرة محترمة… نظرة شخص يشوف “بنت من الحي”. مو نظرة شخص يشوف “قلب”. قال: “كيف الحال؟” يا ساتر… كلمة “كيف الحال؟” منه كانت تكفيني شهر زمان. بس الحين؟ الحين صارت ترعبني. لأنها فتحت باب وأنا طول الوقت أحاول أقفله. قلت وأنا أحاول أتماسك: “الحمدلله… انت شلونك؟” قال: “تمام.” وكان “تمامه” أكبر كذبة على قلبي. لأني ما كنت تمام ولا لحظة. سكتنا. لحظة سكوت قصيرة. بس أنا حسّيتها طويلة… طويلة كفاية إني أسمع نبضي. قلت بسرعة، كأني أبغى أهرب من صمتي: “وينك من زمان… ما عاد نشوفك.” هو قال بهدوء: “الدنيا… شغل ودوام.” بس حتى وهو يبرر، كان يحط بيني وبينه جدار. جدار اسمه “الدنيا”. كأنّي أنا مو من الدنيا، أنا بس سؤال عابر. أنا كنت أبي أسوي شي… أي شي. أثبت نفسي في ذاكرة لحظة. قلت له: “ما شاء الله… شكلك تغيّرت.” هو ابتسم ابتسامة خفيفة: “كلنا نتغير.” كلنا نتغير… إلا قلبي. قلبي لسا واقف على سطح بيتنا، يستنى مرور. جت أمي تنادي من بعيد: “ها… خلصتي؟” التفتّ عليها، وبعدين رجعت له. كنت أبي أقول شي أكبر. أقول: “أنا اشتقت.” أقول: “أنا تعبت.” أقول: “أنا كنت أشوفك من بعيد لين صرت جزء مني.” بس الكلمات ما طلعت. الكرامة كانت ماسكة لساني. والخوف ماسك صدري. قلت بس: “الله يوفقك.” قال: “آمين… وياك.” ومشى. مشى كأنه خلص سلام واجب. وخلّاني أنا واقفة، أحاول ألقط نفسي من الأرض. رجعت البيت وأنا أضحك مع أمي كأني بخير. قلت لها: “اي شفته…” وأمي قالت: “زين سلم؟” قلت: “اي.” وبس. دخلت غرفتي وقفلت الباب. وقتها… انفجرت. مو بكاء قوي. بكاء مكتوم… بكاء يحرق الحلق أكثر مما يبلل الخد. لأني فهمت شي واضح: هو ما يكرهني. ولا يجرحني عمد. هو بس… ما يحبني. وبعض “ما يحبك” تكون أقسى من ألف جرح. لأنها ما تعطيك شي تمسكينه وتلومينه. تعطيك فراغ… وبس. ومن بعد ذاك اللقاء، زاد التوتر فيني. صرت كل يوم أفكر: “يمكن أشوفه مرة ثانية.” وألوم نفسي: “وش بيضيف؟” بس قلبي ما يسمع اللوم. وبديت أكتب له رسائل. رسائل ما تنرسل. رسائل كأنها تنتهي في دفتري… بس بداخلي أنا. كنت أكتب: “شفته اليوم… وكنت أبي أقول لك إني مو بخير.” وأمزق الورقة. أكتب: “يمكن لو تعرف… بتفهم.” وأمزقها. أكتب: “أنا مو طالبة حبك… أنا طالبة نهاية.” وأخبيها. وأكتب أبيات على نفس القافية، كأن القافية هي الشي الوحيد الثابت بين هالاضطراب: يا مرّ طيفك… وانت ما تدري بمكانك أنا هنا… أعد الخطا وأحسب زمانك قلبي تعوّد ما يلومك في خفوقك بس يلومني… ليه عشت عمري في عشانك ما عاد فيني غير صبرٍ في سماك وإن كان ما لي في هالطريق إلا هلاك كنت أقول: “بكرا أنسى.” بس كل بكرا يجي… يرجعني للي قبله. وفي ليلة، وأنا فوق السطح، حسّيت بشي يتغير. مو نسيان. لا. شي أقسى. حسّيت إنّي تعبت لدرجة إني صرت أخاف على نفسي أكثر مما أخاف على قلبي. خفت من فكرة: إنّي أعيش حياتي كلها… على “يمكن”. مسكت دفتري وكتبت رسالة أطول من كل مرة. ما كانت رسالة حب. كانت رسالة وداع… بس لساني ما قدر يقولها. فخلّيت يدي تقولها. وقتها… ما كنت أدري إن الرسالة هذي… بتصير آخر شي أكتبه قبل ما أطيح.
- 2/23/2026
Ch. 6: ثمان سنين… والحب اللي ما مات، بس اختفى
ثمان سنين. أقولها وأستغرب… كيف العمر يمشي، وبعض المشاعر ترفض تمشي معه. مو لأنها أقوى من الوقت… يمكن لأنها ما أخذت فرصتها في النهاية. رجعت لنفس السطح. نفس الجدار الخشن، بس صار أهدى. نفس الحبل… بس الثياب اللي عليه تغيّرت. لمبتنا الصفراء ما عاد تشتغل دايم، صارت تتعب مثلنا. والحي الشعبي… كبر شوي، بس لا زال يشبه نفسه. أصوات العيال تغيّرت، بس الضحكة هي الضحكة. ريحة الطبخ نفسها، بس الوجوه اللي داخل البيوت… بعضها غاب. طلعت قبل المغرب بدقايق، زي عادتي القديمة. مو لأنّي أستناه. أنا عارفة إنه ما يمر. وعارفة إن حتى لو مر… ما عاد يصير شي. بس السطح صار مثل دفتر قديم. إذا فتحتِه، تطلع منه روائح المشاعر اللي حسبتيها تبخرت. وقفت عند السور. وشفت الشارع. الشارع اللي شفتك فيه أول مرة. وأول مرة… كان كل شي بسيط. أنا بنت صغيرة، أحسب الحب ضحكة من بعيد. وأنت… كنت تمشي كأنك ما تدري إنك بتصير “قصة” في قلب أحد. أتذكر نفسي يومها. شلون قلبي دق فجأة، وانا قلت: “عادي.” وشلون “عادي” كانت أول كذبة قلتها على نفسي. أتذكر المدرسة. مو تفاصيل الدروس… تفاصيل حضورك. كيف كنت تدخل الممر بهدوء وتطلع منه بهدوء. كيف كنت ترد السلام بأدب، وتكمل طريقك. وكيف أنا كنت أحسب الأدب باب… وهو كان بس أدب. أذكر محاولاتي اللي ما كانت كبيرة. بس كانت كثيرة. محاولات بنت تخاف تنجرح قدام نفسها. تضحك بصوت أعلى شوي، تمشي في نفس الممر، تختار نفس الفسحة، تحاول تكون “مرئية”. وأنت… ما كنت تشوفني بالطريقة اللي كنت أبيها. مو لأنك شرير. بس لأن قلبك… كان في مكان ثاني. وأذكر يوم عرفت إنك تحب غيري. الخبر كان بسيط في لسان الناس، بس في قلبي كان مثل حجر. وبعدين سمعت إنك انفصلت عنها. ولحظة… لحظة صدّقت إن الفرصة صارت لي. وبعدين… استحيت من نفسي. لأنّي فرحت لفراق أحد… عشان احتمال يجي لي. وأنا مو هذي. وبعدين تخرجت. وطلعت من المدرسة… وأنا بقيت. وبقيت مو بس في المدرسة. بقيت في الانتظار. كان أصعب شي مو إنك غبت. أصعب شي إنك غبت بدون وداع. بدون خاتمة. بدون “آخر مرة” نقدر نقفل فيها الباب. لين جاء اللقاء… بعد سنين. صدفة عند الدكان. نفس السلام. نفس “كيف الحال؟” ونفس المسافة. وأنا رجعت البيت ذاك اليوم وأنا أفهم: إنه حتى لو الزمن رجعنا قدام بعض… القلوب ما ترجع بالغصب. بعدها كتبت لك رسائل كثيرة. ولا وحدة انرسلت. مو خوف منك… خوف منّي. خوف إني إذا قلت لك كل شي، وانتهى الموضوع بكلمة “الله يوفقك”… أنكسر زيادة. فخليتها عندي. رسائل تتراكم مثل غبار فوق شيء ما نستخدمه… بس ما نقدر نرميه. اللي يضحك؟ إني كنت أحسب مع الوقت بنسى. لكن اللي صار… إن الحب ما مات. هو بس تعلم يختبئ. صار يطلع في مواقف ما لها علاقة فيك. في صوت أذان المغرب من بعيد. في ريحة خبز حار. في ممر مدرسة أشوفه صدفة. في ولد يمشي بنفس مشيتك لحظة… وأرجع أتنفس وأقول: “مو هو.” اليوم، بعد ثمان سنين، أنا أقدر أقول الحقيقة بدون ما أطيح: أنا أحبّيتك. ومو كل حب لازم ينجح عشان يكون حقيقي. بس بعض الأحبة… يعلّمونك عن نفسك أكثر مما يعلّمونك عنهم. وأنا تعلمت. تعلمت إن الانتظار يسوي فيك شي خطير. يخليك تأجل حياتك عشان “يمكن”. وأنا ما أبي أعيش على “يمكن” مرة ثانية. لذلك أنا ما طلعت السطح اليوم عشان أستناك. طلعت عشان أودّع نفسي القديمة. نفس البنت اللي كانت تحسب إن الحب لازم يرد. والحين أنا أعرف… إن الحب أحيانًا يمر فيك مثل نسمة. يترك أثر… ويمشي. وبين ما الشمس تنزل، والحي يستعد للأذان، قلت آخر بيت شعر… بيت واحد، بنفس القافية اللي كنت أرجع لها كل مرة كأنها حبل نجاة: إن كان حبك ما كتب لي في سماك يكفيني إني عرفت نفسي في هواك رسالة للقارئ إذا قريت هالقصة وحسّيت إنها تشبهك… اسمعني زين. لا تحط قلبك في يد أحد ما طلبه. ولا تبني بيت من نظرة. ولا تعلّق عمرك على مرور شخص… وهو ما يدري إنك تنتظره. الحب مو عيب. العيب إنك تصير غريب عن نفسك عشان أحد. إذا ما جاك الشعور من الطرفين… اطلع من الانتظار بهدوء. مو لأنك أقل. بل لأنك تستاهل حب يجيك واضح… مو حب تعيشه لحالك. وإذا بقى حب قديم مختبي فيك؟ خلّه ينام بسلام. لا تصحيه كل يوم… وتقول: “يمكن.”